مقالات

براءة الزيدية من الحوثيين

 قلم

د.ناصر بن عبدالله القفاري

يخطئ بعض الناس فيدخل الحوثية السائرين في ركب ملالي الصفوية المجوسية في دائرة فرق الزيدية في اليمن، ولضرورة تصحيح هذا الفهم الخاطئ، وإدراك حقيقة الحوثية، ومعرفة مذهب الزيدية؛ لا بد من التوضيح أن أهل العلم بالفرق والمقالات يعدون الحوثية امتدادًا للجارودية أتباع أبي الجارود زياد بن المنذر الهمداني الأعمى الكوفي، الذي قال عنه أبو حاتم: «كان رافضيًّا، يضع الحديث في مثالب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهم»[1]. والجارودية ليسوا من الزيدية، لكنهم انتسبوا إلى الزيدية ادعاء أو تلبيسًا وخداعًا، وهم في الحقيقة رافضة، ولذا فإن المفيد (شيخ الروافض في القرن الرابع) اعتبر الجارودية من طائفته، وما عداها من فرق الزيدية فقد أخرجهم من دائرة التشيع بحسب مفهومه لديه، وذلك لأن طائفة الجارودية هي التي تشاركه في أساس مذهبه في الرفض دون بقية فرق الزيدية[2].

وقد جمعت الحوثية المعاصرة مع مذهب الجارودية الأخذ بعقيدة الإثنى عشرية من أصحاب ولاية الفقيه، فجمعت بين ضلالتين: بين المذهب الجارودي، والمذهب الإثنى عشري، ثم توجت هذا الغلو بعقيدة ولاية الفقيه الخمينية التي لم تكن موضع الرضا من طائفة من أعلام الإثنى عشرية لأنها مبنية على خرافة الغيبة المزعومة لمهديهم الموهوم، ولأنها تتضمن مخاطر جسيمة حيث إن زنادقة القرون البائدة كانوا يمنون أتباعهم بتحقيق أحلامهم الحاقدة وأمانيهم الدموية المتوحشة على يد مولود اختفى فور ولادته، وهو الآن مختبئ خشية القتل – كما يزعمون -، حاضر في الأمصار غائب عن الأبصار، يرى الناس ولا يرونه، وسيخرج في يوم ما، ويقوم بهدم المسجد الحرام والمسجد النبوي، ونبش قبري أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما -، ويبيد العرب، وينتقم من البشرية كلها[3].

ولقد كتب الكسروي (الأستاذ في جامعة طهران ورئيس المحاكم الإيرانية) ساخرًا من هذه العقيدة المناقضة للعقل فقال: «إذا كان منتظرهم قد اختفى لخوفه على نفسه فلم لم يظهر عندما استولى آل بويه الشيعيون على بغداد وصيروا خلفاء بني العباس طوع أمرهم؟ فلمَ لم يظهر عندما قام الشاه إسماعيل الصفوي وأجرى من دماء السنيين أنهارًا؟ فلم لم يظهر عندما كان كريمخان الزندي وهو من أكبر سلاطين إيران يضرب على السكة اسم إمامكم (صاحب الزمان) ويعد نفسه وكيلًا عنه؟ وبعد، فلم لا يظهر اليوم وقد كمل عدد الشيعيين ستين مليونًا وأكثرهم من منتظريه؟»[4].

وللحديث عن الغيبة والمهدية مقام آخر، ولكن سنقتصر هنا على بيان أن الزيدية ليسوا من الحوثية، ولتأصيل الموضوع تأصيلًا علميًّا منهجيًّا من أجل تقديم الحقيقة دون تقليل أو تهويل أقول: إن الزيدية هم أتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب[5]، وسموا بالزيدية نسبة إليه[6]، وقد افترقوا عن الإمامية الرافضة حينما سئل زيد عن أبي بكر وعمر فترضى عنهما فرفضه قوم، فسموا رافضة لرفضهم إياه، وسمي من لم يرفضه من أتباعه زيدية لانتسابهم إليه، وذلك في آخر خـلافة هشام سنة إحدى وعشرين أو اثنتين وعشرين ومائة[7]. ومن المعلوم أن الـزيدية المتأخرين «يـوافقون المعتزلة في العقـائد»[8]؛ لأن زيـد بـن علي – كما قيل – تتلمذ في الأصول على واصل بن عطاء[9].

لكن هذا موضع نظر؛ فإنه لم يؤثر عن زيد – رحمه الله – أنه سلك طريقة المعتزلة، ولذا لم يؤثر عن أوائلهم موافقة لمذهب المعتزلة، وكان زيد محل ثناء أهل العلم، ولا يوجد من يذمه سوى من يسمون في عصرنا بالشيعة وعند السابقين بالروافض، وشيوخ هذه الطائفة يكفرون زيدًا، ويردون روايته، كما نص على ذلك الطوسي[10].

ومذهب الزيدية المعتدلة أو الزيدية الحقيقية في الصحابة هو الترضي عنهم كما ينقل ذلك ابن الوزير[11] عن الإمام الكبير المنصور بالله[12]، إذ قال في الرسالة الإمامية في الجواب عن المسائل التهامية عن الصحابة رضي الله عنهم: «فأما ما ذكره المتكلم عنا من تضعيف آراء الصحابة فعذرنا أنهم أشرف قدرًا، وأعلى أمرًا، وأرفع ذكرًا… فهم خير الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده فرضي الله عنهم وجزاهم عن الإسلام خيرًا»، إلى قوله: «فهذا مذهبنا لم نكتم سواه تقية وكيف وموجبها زائل ومن هو دوننا مكانًا وقدوة يسب ويلعن ويذم ويطعن ونحن إلى الله سبحانه من فعله براء، وهذا ما يقضي به علم آبائنا منا إلى علي – عليه السلام -»، إلى قوله: «وفي هذه الجهة من يرى محض الولاء بسب الصحابة رضي الله عنهم والبراءة منهم فتبرأ من محمد صلى الله عليه وسلم من حيث لا يعلم»[13].

ويقول المقبلي: «إن الزيدية ليسوا من الرافضة بل ولا من غلاة الشيعة في عرف المتأخرين ولا في عرف السلف. فإنهم الآن مستقر مذهبهم الترضي على عثمان وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنها فضلًا عن الشيخين»[14]. ولذا يرى الشيخ محمد أبو زهرة أن التقارب بيننا وبين الزيدية قائم من غير محاولة تقريب[15].

وقد خرج من الزيدية أئمة أعلام كان لهم أثر يذكر وجهد يشكر، كالإمام الصنعاني، وابن الوزير، والشوكاني، والمقبلي… وغيرهم.

ومن المعروف لدى الباحثين في العلم الشرعي المعنيين بالدراسات الشرعية الأكاديمية أن مصنفات هؤلاء الأعلام مراجع أساسية ومصادر أصيلة في الدراسات الشرعية في الجامعات السعودية وغيرها، مثل: سبل السلام، ونيل الأوطار، وفتح القدير، وغيرها.

وقد حاول الروافض التأثير على الزيدية ونجحوا في بعض فترات التاريخ، ولذا يذكر الشهرستاني: «أن أكثر الزيدية طعنت في الصحابة طعن الإمامية»[16].

وقد حدد المقبلي سبب انحراف طوائف من الزيدية في بعض الأزمنة، وبين أن ذلك من تأثير الرافضة فقال: «إنه قد سرى داء الإمامية في الزيدية في هذه الأعصار حتى تظهر جماعة مح[17] مذهب الإمامية، وهو تكفير الصحابة ومن تولاهم – صانهم الله تعالى -»[18].

وقد تطور الغزو الرافضي للاتجاه الزيدي حتى تأثر بعضهم بشيء من عقائدهم الغالية، كالنص والعصمة، فقالت طوائف من المنتسبين للزيدية – وليسوا منهم – بعصمة فاطمة وعلي والحسين[19].

ومسألة «العصمة والنص» هي كالطعن في الصحابة كلها من أدواء الإمامية التي استشرت في بعض فرق الزيدية، والبعض الآخر يخالفهم في هذا كالسليمانية والصالحية والبترية الذين يقولون: الإمامة شورى ويجوزون إمامة المفضول مع وجود الأفضل، كما أن القائلين بالنص والعصمة يخالفون من ينتسبون إليه وهو الإمام زيد الذي لم يقل بالنص[20] كما لم يقل بالعصمة[21].

أما الجارودية أسلاف الحوثية فإنهم من غلاة الروافض بلا خلاف، ذلك أن اعتقادهم يقوم على أن «رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على علي – رضي الله عنه – بالإشارة والوصف دون التسمية والتعيين، وأنه أشار إليه ووصفه بالصفات التي لا توجد إلا فيه، وأن الأمة ضلت وكفرت بصرفها الأمر إلى غيره، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم نص على الحسن والحسين – عليهما السلام – بمثل نصه على علي. ثم الإمام بعد هؤلاء الثلاثة ليس بمنصوص عليه ولكن الإمامة شورى بين الأفاضل من ولد الحسن والحسين ممن شهر منهم سيفه، ودعا إلى سبيل ربه، وباين الظالمين وكان صحيح النسب من هذين البطنين وكان عالما زاهدًا شجاعًا فهو الإمام»[22].

يقول عبدالقاهر البغدادي عن فرق الجارودية إنها «اجتمعت على الـقول بـأن أصحـاب الكبـائر من الأمة يكونون مخلدين في النـار، فهم من هذا الوجه كالخوارج»[23].

ولقد بقيت الزيدية أتباع زيد بن علي سالمة من السير في طريق الرافضة، ولذلك نعتهم الإمام الملطي بقوله: «وهذه الفرقة لم يتبرؤوا ولم يكفروا أحدًا، وتولوا وهم أصحاب سمت يظهرون زهدًا وعبادة وخيرًا، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر»[24].

ووصف حالهم ابن حزم ومدى قربهم من الحق بقوله: «أقرب مذاهب الشيعة إلى أهل السنة المنتمون إلى أصحاب الحسن بن صالح بن حي الهمذاني الفقيه، القائلون بأن الإمامة في ولد علي رضي الله عنه، والثابت عن الحسن بن صالح – رحمه الله – هو قولنا: إن الإمامة في جميع قريش وتولي جميع الصحابة رضي الله عنهم، إلا أنه كان يفضل عليًّا على جميعهم»[25].

والجارودية أسلاف الحوثية يكفرون الزيدية ويعادونهم، ويستحلون دماءهم وأموالهم، وهم يشاركون الإثنى عشرية في هذا الاعتقاد، كما يشاركونهم في مصادر التلقي، بل سلكوا في عصرنا مسلك الإثنى عشرية حذو القذة بالقذة اعتقادًا ومصدرًا ومنهجًا وسياسة.

ولذا فقد اتفقت مصادر الإثنى عشرية على كفر الزيدية واستحلال دمائهم وأموالهم، فقد جاء في مصادرهم المعتمدة عن عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبدالله عن الصدقة على الناصب وعلى الزيدية؟ قال: «لا تصدّق عليهم بشيء، ولا تسقهم من الماء إن استطعت»، وقال لي: «الزيدية هم النُّصَّاب»[26].

وفي هذه المصادر أيضًا عن عبدالله بن المغيرة قال: قلت لأبي الحسن – عليه السلام -: «إنّ لي جارين أحدهما ناصب والآخر زيدي، ولا بد من معاشرتهما، فمن أعاشر؟ فقال: هما سيان، من كذب بآية من كتاب الله فقد نبذ الإسلام وراء ظهره، هو المكذّب بجميع القرآن والأنبياء والمرسلين، ثم قال: إن هذا نصب لك، وهذا الزّيدي نصب لنا»[27].

وتصور نصوصهم ما سيفعلونه بالزيدية (أهل اليمن اليوم) إذا تم أمرهم وقامت دولتهم بقيادة الولي الفقيه: تقول نصوصهم: «إذا قام القائم[28] سار إلى الكوفة[29]، فيخرج منها بضعة عشر آلاف أنفس – كذا – يدعون البترية[30] عليهم السلاح، فيقولون له: ارجع من حيث جئت، فلا حاجة لنا في بني فاطمة، فيضع فيهم السيف حتى يأتي على آخرهم»[31].

والزيدية لا يرتضون مسلك الجارودية، ولا يعدونهم من الشيعة، ولهذا قال عبدالقاهر البغدادي: «هؤلاء البترية والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية على تكفير أبي بكر وعمر والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر»[32].

وقد تلاشى وجود الجارودية أسلاف الحوثية اليوم، ولم يبق منهم إلا شرذمة قليلون وهم الحوثيون، ولم يكن لهم كيان ولا انتشار، وقد التقيت الشيخ عبدالمجيد الزنداني قبل أكثر من ثلاثين سنة بعد أن ألقى محاضرة في المركز الصيفي بالدمام، وأطلعته على بحثي حول الزيدية، فأثنى على البحث، وقال: إن النتيجة التي توصل إليها البحث لا يتوصل إليها إلا كبار العلماء[33]، ثم سألته عن حال الشيعة في اليمن من حيث التطرف والاعتدال، فقال: إن زيدية اليمن اليوم معتدلون، انتهى كلامه – حفظه الله -.

وكانت سمة الاعتدال هي طابع التشيع في اليمن، حتى عاد الغزو الرافضي إلى بلاد اليمن ففعل بهم كما فعل بأسلافهم، وذلك لما قامت دولة الملالي في إيران، وتبنوا في دستورهم تصدير ثورتهم الرافضية إلى كافة البلدان الإسلامية، وكانت بلاد اليمن أحد مخططاتهم وأهدافهم، ولم يجدوا سوى الحوثية للقيام بهذه المهمة.

وقد حذر العالم اليمني مقبل بن هادي الوادعي من مغبة وخطر هذه الهجمة الصفوية على أهل اليمن ووحدته واستقراره، وعلى شعوب المنطقة، فقال في مقابلة أجرتها معه قديمًا مجلة «المجلة»: «إن التشيع في اليمن قد مات ولكن إيران تريد إحياءه بالمال».

ولم ينتبه لهذا التحذير أهل السنة حتى رأينا آثاره على الحوثيين الذين قلبوا حال اليمن إلى هذا الوضع المأساوي، ذلك أن الرافضة الصفوية ما دخلوا بلدًا إلا جعلوا أمنه خوفًا، ووحدته فرقة، وسلمه حربًا، وتقدمه تخلفًا، وما نراه في سوريا والعراق ولبنان واليمن خير شاهد.

لقد جمعت الحوثية ثلاث عقائد خطيرة:

الأولى: عقيدة الجارودية الرافضية، والثانية: عقيدة الإثنى عشرية، الذين يمثلون الامتداد العقدي والتاريخي للسبئية والصفوية[34]، والثالثة: ولاية الفقيه الخمينية[35].

ومن الضروري أن يعرف عموم أهل اليمن من زيدية وسنة ما يخطط له هؤلاء الحوثيون، والذي يفسره عقيدة «ولاية الفقيه» عندهم، ويترجمه ما يسمونه «تاريخ ما بعد الظهور»، وقد كتبت جملًا من هذه المخططات في كتابي «بروتوكولات آيات قم».

وإذا كان أهل مكة أدرى بشعابها، وأهل البيت أدرى بما فيه فلنستمع إلى شهادة عالم اليمن الشهير الإمام الشوكاني في حقيقة هؤلاء الذين كان ينعتهم بالرافضة وقد خبرهم وعاش بينهم وشاهد أحوالهم، يقول: «لا أمانة لرافضي قط على من يخالفه في مذهبه ويدين بغير الرفض، بل يستحل ماله ودمه عند أدنى فرصة تلوح له؛ لأنه عنده مباح الدم والمال، وكل ما يظهره من المودة فهو تقية يذهب أثره بمجرد إمكان الفرصة»[36].

وبيّن حقيقة ذلك بالتجربة العملية مع هذه الطائفة فقال: «وقد جربنا هذا تجريبًا كثيرًا فلم نجد رافضيًّا يخلص المودة لغير رافضي، وإن آثره بجميع ما يملكه، وكان له بمنزلة الخوَل، وتودد إليه بكل ممكن، ولم نجد في مذهب من المذاهب المبتدعة ولا غيرها ما نجده عند هؤلاء من العداوة لمن خالفهم، ثم لم نجد عند أحد ما نجد عندهم من التجري على شتم الأعراض المحترمة، فإنه يلعن أقبح اللعن، ويسب أفظع السب كل من تجري بينه وبينه أدنى خصومة وأحقر جدال، وأقل اختلاف، ولعل سبب هذا – والله أعلم – أنهم لما تجرّؤوا على سب السلف الصالح هان عليهم سب من عداهم، ولا جرم، فكل شديد ذنب يهوِّن ما دونه»[37].

وقد أشار الشوكاني – رحمه الله – إلى أنهم لا يتورعون عن اقتراف أي جريمة في المجتمع الإسلامي، ولا يتنزهون عن فعل أي محرم، فقال: «وقد جربنا وجرب من قبلنا فلم يجدوا رجلًا رافضيًّا يتنزه عن محرمات الدين كائنًا من كان، ولا تغترَّ بالظواهر؛ فإن الرجل قد يترك المعصية في الملأ، ويكون أعف الناس عنها في الظاهر، وهو إذا أمكنته فرصة انتهزها انتهاز من لا يخاف نارًا ولا يرجو جنة».

ثم استشهد على ذلك ببعض مشاهداته الشخصية، فقال: «وقد رأيت منهم من كان مؤذنًا ملازمًا للجماعات فانكشف سارقًا، وآخر كان يؤم الناس في بعض مساجد صنعاء، وله سمت حسن وهدي عجيب وملازمة للطاعة، وكنت أكثر التعجب منه كيف يكون مثله رافضيًّا، ثم سمعت بعد ذلك عنه بأمور تقشعر لها الجلود، وترجف منها القلوب»، ثم ذكر رجلًا ثالثًا كان به رفض يسير، ثم تطور به الرفض حتى ألف في مثالب جماعة من الصحابة.

قال الشوكاني: «وكنت أعرف عنه في مبادئ أمره صلابة وعفة، فقلت: إذا كان ولا بد من رافضي عفيف فهذا، ثم سمعت عنه بفواقر، نسأل الله الستر والسلامة»[38].

ثم قال – رحمه الله -: «وأما وثوب هذه الطائفة على أموال اليتامى والمستضعفين ومن يقدرون على ظلمه كائنًا من كان فلا يحتاج إلى برهان، بل يكفي مدعيه إحالة منكره على الاستقراء والتتبع فإنه سيظفر عند ذلك بصحة ما ذكرناه»[39].

هذه «مشاهدات» مهمة سجلها الشوكاني، وبيّن كيف يفعل «الرفض» بأهله وأثر ذلك في علاقته مع غيره، وهي رؤية خبير وعالم كبير بعد دراسة ونظر وتجربة طويلة مع مختلف طبقات الرافضة؛ لأنه يقيم مع هذه «الفئة» من الرافضة في اليمن التي خرجت من نطاق الزيدية إلى الرفض.

ومن نصوصهم التي تؤيد شهادة الإمام الشوكاني ما جاء في مصادرهم أن إمامهم سئل: ما تقول في قتل الناصب؟[40] قال: «حلال الدم، ولكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطًا أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل»[41].

وقالوا: «فأما الناصب فلا يرِقنَّ قلبك عليه، لا تطعمه، ولا تسقه وإن مات جوعًا أو عطشًا، ولا تغثه، وإن كان غرقًا فاستغاث فغَطِّسْه ولا تغثه، فإن أبي – نِعْمَ المحمدي – كان يقول : من أشبع ناصبًا ملأ الله جوفه نارًا يوم القيامة، معذبًا كان أو مغفورًا له»[42].

ويقولون: «أشفق إن قتلته ظاهرًا أن تسأل لم قتلتَه؟ ولا تجد السبيل إلى تثبيت حجة، ولا يمكنك إدلاء الحجة، فتدفع ذلك عن نفسك، فيسفك دم مؤمن من أوليائنا بدم كافر، عليكم بالاغتيال»[43].

……

[1] انظر: «تهذيب التهذيب» لابن حجر (3/386).

[2] انظر: «أوائل المقالات» (ص 39).

[3] انظر تفصيل ذلك بشواهده في كتابي: «بروتوكولات آيات قم».

[4] «التشيع والشيعة» (ص 42).

[5] «الملل والنحل» (1/154)، وانظر: «مقدمة البحر الزخار»)ص (40.

[6] انظر: «الرسالة الوازعة» يحيى بن حمزة اليمني) ص (28، وانظر: الأشعري: «مقالات الإسلاميين»: (1/ 136). وانظر: السمعاني: «الأنساب» (6/365)، ابن الأثير: «اللباب» (1/517).

[7] «منهاج السنة» (1/21)، وانظر: «الرسالة الوازعة» (ص 17- 18).

[8] «العلم الشامخ» المقبل) ص (319. وقال الرازي في «المحصل» إن مذهبهم في الأصول قريب من مذهب المعتزلة. «المحصل» (ص 248). أما الشهرستاني فيقول: أما في الأصول فيرون رأي المعتزلة حذو القذة بالقذة. «الملل والنحل» (1/162). المعتزلة: سموا بذلك لاعتزال واصل بن عطاء وبعض أتباعه مجلس الحسن البصري فقال الحسن: «اعتزل عنا واصل»، فسمي هو وأصحابه معتزلة. وقال البغدادي: إن أهل السنة هم الذين دعوهم معتزلة لاعتزالهم قول الأمة بأسرها في مرتكب الكبيرة من المسلمين وتقريرهم أنه لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين منزلتي الإيمان والكفر، وقيل غير ذلك في سبب تسميتهم. وقيل إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة وتابعه عمرو بن عبيد، فلما كان زمن هارون الرشيد صنف لهم أبو الهذيل كتابين، وبين مذهبهم، وبنى مذهبهم على الأصول الخمسة التي سموها: العدل، والتوحيد، وإنفاذ الوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ولبّسوا فيها الحق بالباطل.. انظر في هذا الموضوع: ابن المرتضى «المنية والأمل» (ص 15، 122)، «الفرق بين الفرق» (ص 20)، «شرح العقيدة الطحاوية» (ص 588 – 589)، زهدي جار الله: «المعتزلة».

[9] «الملل والنحل» (1/155).

[10] «الاستبصار» (1/66).

[11] محمد بن إبراهيم بن علي بن المرتضى بن الهادي اليماني المعروف بابن الوزير. ولد تقريبًا سنة 765هـ باليمن وتعلم بصنعاء وصعدة ومكة وتوفي بصنعاء سنة 840 هـ. ومن مصنفاته: «العواصم من القواصم في الذب عن سنة أبي القاسم»، وغيره. (انظر: الضوء اللامع للسخاوي 6/272).

[12] عبدالله بن حمزة بن سليمان بن حمزة اليمني (المنصور بالله)، من أئمة الزيدية باليمن، من تصانيفه: «الشافي في أصول الدين» (4 مجلدات)، توفي سنة 614هـ. انظر: «الأعلام» (4/213).

[13] ابن الوزير: «الروض الباسم» (ص 49 – 50).

[14] المقبلي: «العلم الشامخ» (ص 326).

[15] «الإمام زيد» (ص 4).

[16] «الملل والنحل» (1/157).

[17] المح (بالضم) خالص كل شيء. «القاموس»: مادة مح.

[18] المقبلي: «العلم الشامخ» (ص 88).

[19] «البحر الزخار» (ص 96)، وانظر: «العلم الشامخ» (ص 386)، وفي كتاب «نصرة مذاهب الزيدية» للصاحب بن عباد المتوفى سنة 385هـ ما يشير إلى أن القول بالعصمة هو مذهب لبعض الزيدية. انظر: «نصرة المذاهب الزيدية» (ص 164- 169)، ومعنى هذا أن القول بالعصمة قد استشرى في الزيدية مع امتداد الزمن حتى شمل معظمهم.

[20] انظر كلام زيد في «الملل والنحل» للشهرستاني في أن عليًّا وإن كان الأفضل، إلا أن المصلحة في تولية أبي بكر، فلو كان ثمت نص لم تراع المصلحة تلك. (انظر: الملل والنحل 1/155). وانظر: (الإمام زيد لأبي زهرة ص 184- 185).

[21] انظر: «الإمام زيد» لأبي زهرة (ص 188).

[22] انظر: «مقالات الإسلاميين» (ص 67) ط. ريتر، «الفرق بين الفرق» (ص 30).

[23] «الفرق بين الفرق» (ص (34.

[24] «التنبيه والرد» )ص (34.

[25] «الفصل» (2/106).

[26] «رجال الكشي» (ص 199)، «بحار الأنوار» (72/179).

[27] «الكافي» (8/235)، «وسائل الشيعة» (11/500).

[28] الولي الفقيه ينوب عنه بحكم العقيدة الخمينية الجديدة.

[29] لأن وجودهم في ذلك الوقت في الكوفة.

[30] هم الزيدية المعتدلون أصحاب الحسن صالح بن حي، وهي أقرب فرق الزيدية لأهل السنة. (انظر عنهم: مقالات الإسلاميين 1/144، الملل والنحل 1/161، الخطط 2/352). 

[31] «الإرشاد» (ص 411-412)، «بحار الأنوار» (52/338).

[32] «الفرق بين الفرق» (ص 24).

[33] وهو منشور ضمن كتابي «مسألة التقريب بين السنة والشيعة» (1/159-169).

[34] انظر مقالي: «شيعة اليوم سبئية الأمس» المنشور بمجلة البيان (عدد 336).

[35] انظر مقالي: «ولاية الفقيه الخطر الأكبر المجهول» المنشور بمجلة البيان (عدد 333).

[36] «أدب الطلب» (ص70-71).

[37] «أدب الطلب» (ص71).

[38] «أدب الطلب») ص(73 .

[39] «أدب الطلب»  )ص(74 .

[40] ومن المعلوم أن الزيدية عندهم من النواصب كما سبق.

[41] «علل الشرائع» لابن بابويه (ص200)، «وسائل الشيعة» (18/463)، «بحار الأنوار» (27/231).

[42] «مستدرك الوسائل» (16/237)، «بحار الأنوار» (93/71).

[43] «رجال الكشي» (ص529 )، «خاتمة المستدرك» للميرزا النوري (4/142).

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً

إغلاق
Designed and Developed By 3Hand.Net