ورسيا واسرائيل

د/ صالح النعامي

يعجز الكيان الصهيوني ونخبه الحاكمة عن حصر عوائد الشراكة الإستراتيجية المتعاظمة مع روسيا؛ والتي باتت تعد مركبًا أساسيًّا في تحقيق المصالح الكبرى لهذا الكيان في المنطقة. فقد بات الروس أداة طيعة لتحقيق الأهداف الصهيونية، بحيث ما كان في تقدير حكام تل أبيب هدفًا بعيد المنال بات بالإمكان تحقيقه بالتنسيق مع الدب الروسي بسهولة.

 وفي تل أبيب يجزمون بأن وقوف الروس إلى جانب نظام الأسد في مواجهة قوى المعارضة السورية المسلحة يشكل ربحًا صافيًا للكيان الصهيوني، على اعتبار أنه في حال سقط نظام الأسد وحلت هذه القوى مكانه، فأنه ستصبح مصدر تهديد خطير على الكيان الصهيوني ذاته؛ في حين أن بقاء نظام الأسد ضعيفًا على سدة الحكم ولو على أجزاء من سوريا يقلص فرص تحول سوريا إلى نقطة انطلاق ضد الكيان الصهيوني مستقبلًا، كما يقول رئيس أركان الجش الصهيوني الأسبق دان حاولتس. ومن المفارقة، أن الصهاينة يبدون مرتاحين لما يعتبروه «تحالف مسيحي شيعي» عبر عنه التعاون والشراكة بين روسيا من جهة وإيران والجماعات المرتبطة بها من جهة أخرى. ويقول «مركز يروشليم لدراسة المجتمع والدولة»، الذي يرأس مجلس إدارته دوري غولد، وكيل وزارة الخارجية الصهيونية إن إعلان الكنيسة الأرثوذكسية الروسية أن الحرب في سوريا هي «حرب مقدسة» أضفت بعدًا دينيًّا على المشاركة الروسية وأظهرت مدى التقارب «الديني بين الشيعة والمسيحية الروسية». لكن أكثر ما يثير الارتياح لدى الصهاينة هو أنه على الرغم من التحالف الروسي الإيراني، فأن الروس في النهاية يفضلون المصلحة الصهيونية إذا تعارضت مع مصالح إيران والجماعات المرتبطة بها. وترى النخب العسكرية والإعلامية في تل أبيب أن الغارات الجوية الصهيونية التي استهدفت أهدافا لحزب الله في سوريا، والتي كان آخرها تصفية سمير قنطار، تعد «اختبارًا ناجحًا» لآلية التنسيق التي تم التوصل إليها بين الجيشين الروسي والصهيوني. ويقول المعلق العسكري الصهيوني روني دانئيل إن رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير حربه موشيه يعلون قد اختبرا آلية التنسيق المتفق مع الروس من خلال مواصلة شن الغارات والعمليات الخاصة داخل سوريا، دون أن يصدر عن الروس أية ردة فعل حقيقية. فالصهاينة يرون أن مواصلتهم تنفيذ الغارات في الوقت الذي يعمل فيه الطيران الروسي في طول سوريا وعرضها « ينقل رسالة لكل الأطراف الإقليمية مفادها أن الكيان الصهيوني جاد في الحفاظ على مصالحه بغض النظر عن التواجد الروسي العسكري. ومما يدلل على أن الصهاينة باتوا أكثر جرأة على تنفيذ العمليات والغارات بعد التدخل الروسي في سوريا حقيقة أن الطائرات الصهيونية المقاتلة تتحرك في الأجواء السورية، على الرغم من جلب الروس منظومة الدفاع الجوي «S400». ويعمل خط مفتوح بين كل من نائب أركان الجيش الصهيوني يائير جولان ونظيره الروسي نيكالو بكدونسكي حول آليات التنسيق بين الجابين لضمان تمكين إسرائيل من مواصلة تنفيذ العمليات داخل سوريا. ويرى الجنرال عوزي ديان، رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الصهيوني الأسبق أن غض الروس الطرف عن الغارات الإسرائيلية ينسجم مع التصريحات الواضحة التي أدلها بها الرئيس الروسي فلادمير بوتين خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة والتي التزم فيه باحترام مصالح الكيان الصهيوني في سوريا. وفي تل أبيب يبدون ارتياحًا ليس فقط لعمليات القصف الوحشية التي يقوم بها سلاح الطيران الروسي، بل أنهم يكشفون النقاب عن أن الروس قاموا بتفعيل فرق موت خاصة ضد قادة التنظيمات السورية المقاتلة. ويشيرون في تل أبيب إلى أن الرئيس الروسي فلادمير بوتين أمر بإرسال وحدات نخبة روسية متخصصة في مجال الاغتيال من خلال القنص لتصفية أكبر عدد من قادة وعناصر المعارضة السورية المسلحة. وحسب المصادر الصهيونية، فأن هذه الوحدات وصلت بالفعل إلى سوريا، حيث يقوم بعض عناصرها بنصب كمائن في أرجاء من الشمال الروسي، في حين يقوم البعض الآخر بتأمين القواعد التي يتواجد فيها الجيش الروسي. وحسب المصادر الصهيونية، فأن فرق الموت الروسية اكتسبت شهرة كبيرة من خلال عملياتها في الشيشان، حيث أن عناصر هذه الوحدات معروفين بعدائهم الشديد لعناصر الحركات الإسلامية بسبب طابع التعبئة التي تعرضوا لها على مدى سنين، وبسبب مقتل عدد كبير من زملائهم الجنود في العمليات التي نفذتها المجموعات الإسلامية في الشيشان والأراض الروسية. ومما يدل على أن هناك ثمة تنسيق كبير بين الروس والصهاينة بشأن طابع هذه الوحدات حقيقة أن الصهاينة يبدون على علم كبير بأنشطة هذه الوحدات. ويشيد الصهاينة بالروس الذين يمنحونهم الغطاء لمواصلة التحرك بحرية في سوريا على الرغم مما يتسبب الأمر من حرج لكل من إيران وحزب الله. ويقول الجنرال أودي آدام، الذي سبق أن قاد المنطقة الشمالية في الجيش الصهيوني إن الغارات الصهيونية تمثل إحراجًا كبيرًا لكل من إيران وحزب الله والنظام السوري، لأنها دللت على أن الغطاء الروسي يأتي فقط من أجل الحفاظ على نظام الأسد ولا يسهم في تأمين حلفائه الذين يقاتلون إلى جانبه.

وفي المقابل، فقد قدم المسؤولون الصهاينة الدلائل على الخطوات التي أقدمت عليها تل أبيب من أجل إنجاح التدخل الروسي ومحاولة تمكينه من تحقيق أهدافه. فقد كشف الجنرال عاموس جلعاد، مدير الدائرة السياسية والأمنية في وزارة الحرب الصهيونية النقاب عن أن الطائرات الروسية تخترق أجواء فلسطين في طريقها لضرب قوى المعارضة السورية. وحسب جلعاد، فأن الكيان الصهيوني لا يرى في اختراق الطائرات الروسية الأجواء الفلسطينية مشكلة مادام أن هدفها كان ضرب قوى المعارضة السورية.

 وفي المقابل، فأن الصهاينة يرون أنهم الطرف الذي حقق أكبر قدر من المكاسب بسبب الصراع التركي الروسي. وقال ألون بن دافيد، معلق الشؤون العسكرية في قناة التلفزة الصهيونية العاشرة إن الصدام التركي الروسي حسن من مكانة الكيان الصهيوني الإستراتيجية وزاد من قيمته لدى الروس، مشددًا على أن الروس مستعدون لدفع ثمن العلاقة مع تل أبيب وهو السماح لها بمواصلة تنفيذ العمليات العسكرية في سوريا.

وتحاول تل أبيب استغلال الصدام بين أنقرة وموسكو في أعقاب إسقاط الطائرة الحربية الروسية من قبل المقاتلات التركية في محاولة تحسين قدرتها على تحقيق مصالحها في سوريا من خلال تكثيف التنسيق مع الروس. فبمجرد أن تم الإعلان عن إسقاط الطائرة الروسية، بادر نتنياهو بالاتصال ببوتين لترتيب لقاء معه على هامش انعقاد قمة «المناخ» التي انعقدت في باريس. وينقل الصحافي الصهيوني أمير تيفون عن محافل في ديوان نتنياهو قولها إن الصدام التركي الروسي ضاعف من أهمية التنسيق مع موسكو وعزز من جدواه.

فيما يشكل توظيفًا واضحًا للصدام التركي الروسي، حرص مسؤولون كبار ونخب صهيونية على التحريض على الرئيس التركي طيب رجب أردوغان وتصويره على أنه هو من بحث عن «الصدام» مع روسيا بسبب توجهاته «العثمانية الإسلامية المتطرفة». في السياق عد مركز أبحاث مرتبط بدوائر الحكم في تل أبيب أن أردوغان قرر إسقاط الطائرة الروسية بسبب توجهاته «العثمانية والإسلامية التوسعية».

وقد تبين أن الصهاينة استفادوا اقتصاديًّا من التوتر التركي الروسي، حيث كشفت صحيفة «ميكور ريشون» الصهيونية النقاب أن روسيا أبلغت تل أبيب ل برغبتها في استيراد الخضار والفواكه منها بعد أن قرر بوتين التوقف عن استيرادها من تركيا.

قصارى القول، التحالف الصهيوني الروسي قائم ويؤتي أكله ويشكل تحديًا لكثير من الفرقاء في المنطقة.

 

 

كلمات دلائلية :