تشييع حوثيين في إيران "ارشيف"

تشييع حوثيين في إيران “ارشيف”

الرشاد برس- بسّام الشجاع
“التوجهات الإيرانية ذات أفق يتعدى جغرافيتها الوطنية” هذا ما صرح به بعض الباحثين الشيعة، إذاً لم يعد هذا الأمر عبارة عن استراتيجية مرسومة على الأوراق، بل صار واقعاً معاشاً في أكثر من بلد عربي وإسلامي.
وأما عن اختيار مدى توافق المشروع الإيراني في اليمن والعرق دون غيرهما فهو ذلك التحول السريع من حركات سرية مسالمة تعمل بالخفاء ومندمجة مع المجتمع إلى جماعات عنف طائفية وعنصرية تسيطر على مفاصل الدولة وتصل إلى سدة الحكم، وكذلك للتنسيق المشترك بين أدوات المشروع في البلدين.
إضافة إلى ذلك فإن لجوء العديد من شيعة العراق إلى اليمن تحت غطاء التدريس سهل من تغذية الروابط – كما يبدو – بين التيارين وقد أشارت وصحيفة “الأيام” المستقلة بحسب مصادر أمنية، إلى وجود مقاتلين عراقيين في صفوف أتباع الحوثي، واكتشاف جثث لهم، واعتقال بعضهم.
وبحسب مصادر – نقلت عنها صحيفة “أخبار اليوم” في عددها “413″ – فإن للسفير العراقي وعناصر أخرى استقدمها معه دوراً مباشراً في إعادة بناء التنظيمات الموالية لإيران في اليمن، في مقدمتها “الشباب المؤمن”، وأشارت المصادر للصحيفة إلى أن السفير استقبل خلال الفترة الماضية عناصر متورطة في تمرد الحوثي، بما فيها قيادات ناشطة ضمن ميليشيات تنظيمه المسلح. بل ذكرت صحيفة “أخبار اليوم” في أحد أعدادها أن عدداً من أتباع بدر الدين الحوثي الذين استسلموا أثناء المواجهات الأخيرة أكدوا قيامهم بالتدرب في معسكرات تابعة للحرس الثوري الإيراني مع عناصر فيلق بدر التابع للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية بالعراق بعد سقوط بغداد، وكذلك في معسكرات يتخذها الفيلق في العراق منذ منتصف عام 2003م.
استفاد المشروع الإيراني في المنطقة كثيراً من الوجود الاستعماري الأمريكي الناعم، الذي جاء بديلاً عن الاحتلال البريطاني بحكم العلاقات الخفية بينهما، وكذلك للغاية المشتركة بينهما، التي تتمثل في استئصال شأفة الإسلام السني بكل توجهاته سواء الجهادي أو السياسي أو الدعوي، وضرب البُنى التحتية له المتمثلة (بالمساجد ومدارس التعليم دور القرآن والمركز الشرعية) كون هذا الإسلام الصافي يعد خطراً يهدد استراتيجية المشروع الغربي الذي كان من أهم إنجازاته إسقاط الخلافة الإسلامية، ويمثل عقبة كأداء أمام مساعي المشروع الصفوي الفارس والذي يسعى لإعادة إمبراطورية فارس.

ولا شك أن الأخير استفاد من التغاضي الغربي وضغطه على الحكومات الوظيفية والسماح له باستخدام شيعة العرب كمطية لتمرير بعض الأفكار، وهو ما أدى إلى ارتفاع وتيرة التوسع في المناطق العربية لا سيما بعد أحداث الربيع العربي الذي فتح الباب على مصراعيه لهذا التوسع، ولا يمكن لنا التحدث عن المشروع الإيراني بمعزل عن العوامل المحركة للسياسة الإيرانية ونلخصها في ما يلي:
1- التاريخ: المتمثل في الإمبراطورية الفارسية وما مثلته في الماضي من عمق وتاريخ حافل.
2- القومية: المتمثلة في الطائفية والعنصرية الفارسية المتعصبة.
3- العقيدة: وتتمثل في الدين الشيعي الصفوي المناهض لمجمل عقائد الأمة، إضافة إلى المصالح السياسية المشتركة بين المشروع الإيراني والأمريكي الذي تبرزه العديد من الوقائع والأحداث.
أما بالنسبة لدوافع المشروع الأساسية فهي ما استقر منذ الثورة الإيرانية، من أنها – أولاً – عالمية، وثانياً تدافع عن المستضعفين، وثالثاً إسلامية.
وتحت شعار تصدير الثورة انطلق المشروع فعقب قيام “الثورة الخمينية” وتصدرها المشهد السياسي في طهران عام 1979، بعد الإطاحة بحكم الشاه محمد رضا بهلوي وقمع وتصفية الجماعات والأحزاب المعارضة لها، بدأت المساعي لما يسمى بتصدير “أنموذج الثورة” على غرار أيدولوجيتها الراديكالية المتمثلة بـ “ولاية الفقيه” لدول الجوار بدءاً بالعراق في أوائل الثمانينيات. ومحاولة إحلال نظام جمهوري “ملالي” بديل عن النظام القائم آنذاك ولكن المشروع أبطأ قليلاً عندما أشعل العراق شرارة الحرب بغزو إيران في 22 سبتمبر عام 1980م.
وبما أن العراق الدولة الجارة لإيران والبوابة الشمالية للدخول إلى المنطقة فإن الجمهورية اليمنية هي البوابة الجنوبية ولا تقل أهمية عنها حيث تقع في خاصرة الخليج العربي وتشرف على أهم الممرات العالمية التي يمر منها أكثر من ربع النفط العالمي. إذاً لم يعد خافياً استغفال إيران لشيعة العرب واستخدامهم مطية للوصول إلى مشروعها الكسروي وإمبراطوريتها المزعومة لا سيما في اليمن والعراق، حيث بدايةُ ونهايةُ ما كان يعرف بالهلال الشيعي، لذلك سنحاول هنا الحديث عن نقاط التقاء المشروع في اليمن والعراق.
ومما لا شك فيه أن المشروع الإيراني التوسعي أبطأ بفعل الحرب، ولكن الأحداث غيرته ليعود للصدارة ولكن بما يتناسب مع بقائه؛ فظل يعمل بسرية تامة متخفياً من بطش نظام البعث العراقي حتى احتلال العراق قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومساعدة دول أخرى مثل بريطانيا وأستراليا وبعض الدول المتحالفة مع أمريكا حسب تعريف مجلس الأمن لحالة العراق في قانونها المرقم بـ 1483 في 2003م، وانتهت الحرب بسيطرة الولايات المتحدة على بغداد، والإطاحة بنظام صدام وتسليم العراق على طبق من ذهب لملالي إيران.
وفي هذا الصدد نحاول من خلال هذا المقال أن نتحدثَ عن نقاط اتفاق المشروع الإيراني في العراق واليمن، حيث بدأ الإعداد للدستور الطائفي في ظل الحاكم الأمريكي بول بريمر في أغسطس 2003، لإضفاء شرعية دستورية على سياستها الطائفية، وتألفت لجنة الدستور التحضرية مؤلفة من 25 عضواً: 12 من الشيعة العرب، 5 من السنة العرب، 5 من السنة الأكراد وتركماني واحد ونصراني واحد بينهم ثلاث نساء (واحدة تركمانية واثنتان شيعيتان). ولكن الدستور لم يصدر بسبب الخلافات؛ فكان تهديد الحكومة الأمريكية بأن يصدر الدستور بأسرع وقت حدده وزير الخارجية الأمريكية آنذاك كولن بول بستة أشهر، ثم تكونت لجنة لصياغة الدستور برئاسة عدنان الباجه جي وأجريت الانتخابات العامة في 31 يناير 2005 لإضفاء الشرعية على الدستور الجديد، وقاطع العرب السنة التصويت على الدستور الذي أهمل عروبة العراق.
وكذلك هو الحال في اليمن إذ لم يكن خافياً على الحكومة الأمريكية ومخابراتها المتعاونة مع النظام الحاكم تحركات الحركة الحوثية المدعومة من إيران والتنامي المستمر لها في شمال الشمال ومحاولة تصدير الفكر الخميني وثورته إلى اليمن.
ومع مرور الأيام ظهرت بعض النتوءات بين النظام الحاكم وبين المشروع الإيراني المتمثل بالحركة الحوثية ولكن الضبابية كانت هي السائدة في الموقف، وفي هذا الصدد قال الأمين العام المساعد للتجمع اليمني للإصلاح في تصريح لصحيفة (الأيام 4451) إنه من الصعب معرفة ما يدور في صعدة، ومن الصعب الحصول على تفصيلاته، مرجعاً السبب إلى أن الحكومة تنتهج نهج التعتيم في القضايا الأمنية ولا تسرب من المعلومات إلا ما تقتنع به.
وبعد اتفاقية قطر في 2008م بين الحكومة وبين حركة المتمردين الحوثيين المدعومة من إيران، والتي أبدت الأحزاب السياسية في اليمن المتمثلة في اللقاء المشترك عموماً وحزب التجمع اليمني للإصلاح خصوصاً انزعاجها من هذه الاتفاقية التي تحمل بنوداً معلَنَة وأخرى غير معلنة، وبعد هذا بدأ المشروع الإيراني يشتغل بأجهزة الدولة لا سيما في محافظتي صعدة والجوف والدخول بالشراكة مع الأمريكان لمكافحة ما يسمى بتنظيم القاعدة في جزيرة العرب حيث سلم الحوثيون في عام 2009م اثنين من مقاتلي التنظيم للحكومة وتم إعدامهم كدليل عملي لمصداقية هذه الشراكة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وقد تمكن السفير الأمريكي السابق “آدموند هول” من زيارة صعدة وكذلك الجوف وزيارة أسواق السلاح المنتشرة “خصوصاً في صعدة ” وعمل على شراء الأسلحة من القبائل تحت ذريعة إنهاء معالم التسلح في البلاد، دون أن يتم الإفصاح عن مصير تلك الأسلحة، التي يذهب البعض إلى أنها قدمت عبر وسطاء للحوثي وأتباعه، بدليل وجود أسلحة متطورة وكميات من الذخيرة، بل اكتشاف مخازن لها في صعدة حيث ينتشر أتباع الحوثي.
وفي هذا المسار فقد نقل موقع الجزيرة عن الكاتب والباحث اليمني د. محمد جميح تأكيده على وجود استراتيجية أمريكية في اليمن تقتضي إتاحة الفرصة للحوثيين كي يتوسعوا في البلاد، وأشار إلى أن أميركا يهمها التحالف مع الأقليات وهي التي ضغطت في مؤتمر الحوار الوطني من أجل حصول الحوثيين على مقاعد لا تتناسب مع حجمهم على الأرض، وقال جميح: “إن واشنطن ترى أن الحوثيين قوة صاعدة، وستقوم بالتنسيق معهم لو رأت أنهم سيضمنون لها مصالحها في اليمن”.
وقد استفاد المشروع الإيراني من الربيع العربي كثيراً ومن الاختلالات الأمنية حيث فتح الباب على مصراعيه للدعم اللوجستي الإيراني خصوصاً العسكري والسلاح؛ حيث وصلت إلى الموانئ اليمنية كثير من السفن المحملة بالأسلحة الثقيلة والخفيفة حسب تصريحات رئيس الجمهورية ووزير الداخلية آنذاك وعدد من القادة السياسيين.
وفي هذه الأثناء استغل المشروع الإيراني وجود المبعوث الأممي جمال بن عمر للتوسع أكثر والتقدم في المجال السياسي ابتداء بمقاعدهم في الحوار الوطني التي تفوق حجمهم، وقد استطاع المبعوث الأممي بمراوغاته أن يخرجهم من كهوف مران إلى العاصمة صنعاء وتسليم زمامها لملالي إيران؛ حيث استمر في عقد جلسات الحوار مع الانقلابيين في ظل حصارهم لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والعديد من وزرائه. ولعلنا نخلص من مما سبق إلى معرفة أهمية العلاقة الأمريكية والإيرانية وانعكاسها على ظهور المشروع الصفوي والإيراني.
وكما هي وحدة الوجود للمشروع الإيراني في اليمن والعراق فإنه أيضاً حافظ على وحدة وسائله للانتشار خصوصاً في البلدين آنفي الذكر. ومن هذه الوسائل – على سبيل المثال – قنوات الدعم الذي تعتمده إيران رسمياً لميليشياتها وتخصصه من موازنتها العامة، سواء في اليمن والعراق أو غيرهما. ويأتي هذا بعد أن أرسل مجلس شورى الثورة الثقافية الإيرانية رسالة إلى المحافظين في الولايات الإيرانية وكتب عليها: (سري للغاية) مما جاء فيها: الآن بفضل الله وتضحية أمة الإمام الباسلة قامت دولة الاثني عشرية في إيران بعد عقود عديدة، ولذلك فنحن ـ بناء على إرشادات الزعماء الشيعة المبجلين ـ نحمل واجباً خطيراً وثقيلاً وهو تصدير الثورة، وعلينا أن نعترف أن حكومتنا فضلاً عن مهمتها في حفظ استقلال البلاد وحقوق الشعب فهي حكومة مذهبية، ويجب أن نجعل تصدير الثورة على رأس الأولويات. التطهير العرقي التهجير القسري لأهل السنة والتعامل على أساس طائفي دلائله في الواقع كثيرة في البلدين؛ فالتهجير القسري الذي عانى منه آلاف المواطنين في اليمن في محافظة صعدة ومنطقة دماج بالذات كان أكبر ذنبهم غير المعلن عنه أنهم سنة. وهو السبب نفسه الذي هجر العديد من الأسر والمواطنين في بغداد العراق والتطهير العرقي في ديالى وغيرها وهذا لم يعد أمراً خفياً، فقد نقل موقع العربي21 وصف المستشرق الإسرائيلي غي بخور لما يجري في العراق بأنه تطهير عرقي يقوم به الشيعة بحق السنة برعاية أمريكية.
استخدام الدين وسيلة للترويج المناسبات الدينية مثل عاشور، ويوم الغدير ويوم المولد النبوي وغيرها، وكذلك الفتاوى الدينية للترويج لباطلهم واستغلال عاطفة الناس الدينية. وللمزيد من التلاعب على مشاعر الناس وخداعهم تبني القضية الفلسطينية والعداء لأمريكا وإسرائيل.
وقد نشر مركز الجزيرة العربية للدراسات ملفاً مكتوباً كان يوزعه الحوثي هو وأتباعه على الناس تحت مسمى (لا عذر للجميع أمام الله)، حيث يقول الحوثي حسين بدر الدين في ص14: الإمام الخميني الذي عرف الحج بمعناه … فوجه الإيرانيين إلى أن يرفعوا شعار البراءة من أمريكا البراءة من المشركين البراءة من إسرائيل.
الانتشار والتوسع السريع لأكبر قدر ممكن، وقد بدأت منذ زمن بواعث القلق لدى الدول العربية من هاجس ما وصف بـ “الهلال الفارسي” في المنطقة العربية، الذي يبدأ من طهران فبغداد فالكويت فالأحساء فدول الخليج فاليمن، ويمتد عبر جماعات وتنظيمات تحاول اختراقها وترسيخ الفكر الخميني في دول عربية كالسعودية والبحرين والعراق عبر دمشق فلبنان، ليكتمل الهلال في اليمن فيصبح “قمراً دموياً” يشمل كافة الدول العربية.
هذه بعض الوسائل والممارسات التي يتفق عليها المشروع الصفوي في البلدين اليمن والعراق إضافة إلى إثارة العديد من النعرات المقيتة (العنصرية – السلالية – المذهبية – المناطقية)، واتهام أهل السنة بأنهم (إرهابيون – وتكفيريون)، وكذلك السيطرة على مفاصل الدول ومؤسساتها الفاعلة والطعن في صحابة رسول الله – صلى الله عليه وسلم، ورضي عن صحابته – وادعاء الحق الإلهي في الحكم. ويدرك الجميع أن هذه الممارسات ما كان لها أن تكون لولا تخاذل المسلمين السنة دولاً وأحزاباً وجماعات وأفراداً عن نبذ الخلافات الوهمية وعدم تعميق الفرقة والشتات بين أبناء الملة الواحدة.
ما يهمنا هنا هو معرفة سبل مواجهة المشروع الصفوي التوسعي، ولذلك لا بد من الآتي:
أولاً: وجود مشروع عربي إسلامي واضح المعالم، ولعل ملامح هذا المشروع قد بدأت تتشكل منذ صعود الملك سلمان بن عبد العزيز إلى سدة الحكم.
ثانياً: إعادة النظر في التحالفات الدولية الجديدة لا سيما القائمة على البراغماتية البحتة وتبادل المصالح.
ثالثاً: الانتقال من المواجهة التكتيكية وإطفاء الحرائق إلى خطوات استراتيجية مدروسة.
رابعاً: إعادة ترميم البيت السني وتلاشي الأخطاء الماضية.
خامساً: عدم التنصل عن الواقع العربي فهو واقع يميل إلى التدين ولا يقبل فصل الدين عن الحياة بل هو كما قال ابن خلدون: (إن العرب لا يحصل لهم الملك إلا بصبغة دينية من نبوة، أو ولاية، أو أثر عظيم من الدين على الجملة).

مجلة البيان

 

كلمات دلائلية :