كــاتب صحــافي

كــاتب صحــافي

أمجد خشافة

مع بروز التنظيمات الجهادية عقب الثورات العربية دفعت تيارات الاسلام السياسي نفسها للجدل حول ما إذا كانت تلك التنظيمات “خوارج أم مازالت على منهج السنة” في وقت كان يدفع المجتمع الدولي وبعض الدول العربية تيارات الاسلام السياسي بالقرب من زاوية “الارهاب” أو محط تهمة حتى تثبت براءتها.

 

ورغم أن جدلية بروز مشروع الاسلام السياسي أو انحساره أو ما بعد الإسلاموية موضوع قديم إلاّ أن التصدعات المفاهيمية الأخيرة لحركة النهضة في تونس أعادت الجدل للواجهة مما اتجه الكثير لتعزيز فرضية حالة الجزر للإسلام السياسي بعد المد في فترة صعوده في مصر وتونس واليمن وليبيا في الخمسة السنوات الماضية.

 

حركة النهضة التي تمثل بنظر التونسيين الاسلام السياسي، انهت، مؤخرا، أزمة التفكير الطويل حول الفصل بين السياسي والديني، أي بمعنى أنها ستكون على تقارب مفاهيمي مع التفكير العلماني.

ليس هنا المهم حول المبررات الموضوعية المستندة على النص الشرعي أو العقلي ولكن هذا المراجعات التي وصلت إلى فيما كانت تعرف بالثوابت، أثبتت نظرية اليساريين بأن الاسلاميين استغلوا الخطاب الديني لتحشيد المجتمعات للوصول للسلطة، وحين يفكر المواطن، المتعاطف مع التدين، لهذه الحركات بعد وصولها للسلطة وحجم هذا الصدع المفاهيمي سيكرر، وبسخط، مقوله السخط العلماني في نقده لها.

لا تكمن المشكلة في المراجعات الإدارية الدنيوية ولكن حين تكون في أصل الهوية التي مثلت عمود فقري لنهوض الاسلام السياسي كمبادئ الحكم وعلاقاتها بالإسلام ومناهضة مشروع فصل الدين عن السياسة يكون من الصعب عودة هذ الجماعات لتلك الثوابت ولصورتها التي فقدتها لدى المجتمعات، بل سكون خياراها هو الهروب للأمام والتيه في طابور التنازلات لمحاولة البقاء في السطلة.

أي مشروع سياسي قام على مبادئه ثم اتجه لخلع جلده ينتهي به الحال إلى نقطة ألا عودة، حينها سيجد أنه لم يعد بينه وبين مشروع الانظمة الوطنية التي تستمد بقاءها من نفوذ المجتمع الدولي بزعامة أمريكا بكل تجريفاته للقيم.

وعلى الرغم من التصدعات في مشروع الاسلام السياسي في تونس إلاّ أن هذه التصدعات ليست حديثة إذ سبق وأن تماها غيرهم مع واقع الرأسمالية بنظامها الديموقراطي النفعي عقب فرضها على الدول العربية والاسلامية، حينها حسموا الجدل في أسلمة الديموقراطية، واعتبرت على أنها شورى ولا تعارض مع الحاكمية لله.

وصل الاسلاميون الى السلطة عبر الديموقراطية التي تذيعها أمريكا في بعض الدول كنموذج حماس إلا أن أمريكا عبرت عبر أفعالها بالقول، إننا نؤمن بالديموقراطية لكن لا نؤمن بنتائجها عند العرب، وحين وجد الاسلاميون هذا الواقع قرروا التنازل أكثر تحت القاعدة الفقهية “المصلحة والمفسدة” بفعل واقع الهيمنة الغربية على إرادة الشعوب العربية والاسلامية.

 

وبالتزامن مع موجة ما بعد الربيع العربي التي كانت ضد مشاريع الاسلام السياسي، قرر الاسلاميون الجدل حول ما بعد الديموقراطية إلى الجدل حول ما جاءت به من فلسفة وأصل في مبادئ الحكم التي كانت من قبل ضد “الحاكمية”، وهو ما بدى لدى الاسلاميين في دولة المغرب حين أصبحوا يناقشون في أصل الحقوق والحريات المطلقة، بمنطق ما بعد العلمانية، وفقا لدراسة أصدرها مركز “بروكنجز″.

 

وفي تركيا انبثق عن المشروع الاسلامي مشروع يرتكز على القواسم المشتركة الاخلاقية مع بقية المشاريع، وأبسط صورته هو حين كان مُحرماًعلى المحجبات دخول الجامعات، جاء أردغان ليقول إذا كان من حق الكاشفة عن رأسها دخول الجامعة فمن حق المحجبة أيضاً أن ترتدي الحجاب، كأصل من أصول الحقوق والحريات.

أصبحت هذه النماذج مبهرة لدى فروع تيارات الاسلام السياسي لدى بقية الدول العربية وقابلة لاستجلابها لولا عوامل داخلية لم تمكنها من الصعود للسلطة وتطبيقها.

يحاول الكثير الدفاع عن هذا التوجه والجدل على اعتبارات خلافية في التراث الاسلامي و قاعدة المصلحة والمفسدة والأولويات، والانحناء لعاصفة شيطنة الاسلاميين على اعتبارات سياسية من جهة أخرى، لكنه في المقابل يدفع بانحسار المشاريع الاسلامية الأمر الذي نصل به إلى واقع لا أحد يفرق بينها وبين العلمانية والأنظمة الوطنية مسلوبة الإرادة.
ما يعزز من هذا الكلام هي محاولة الغرب تمرير ما توصلت إليه من ظاهرة ما بعد الإسلاموية، التي يقصدون بها انتهاء مشروع الاسلام السياسي وتحلله، باعتبار ما بعد الاسلاموية سيكون “مشروعا” وليست “حالة” تقوم على محاولة واعية لوضع تصور واستراتيجية لمنطق وطرائق لتجاوز الإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية و الفكرية.

وعلى هذا النحو تكون ما بعد الاسلاموية، بحسب تفكيرهم، ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تمثل “محاولة لطمس أو دمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية، فهي محاولة لتحويل وقلب المبادئ الأساسية للإسلام رأسا على عقب بواسطة التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، وعلى التعددية في مجال الصوت الفردي السلطوي، وعلى التاريخية بدلا من الكتاب المقدس الثابت، وعلى المستقبل بدلا من الماضي”.

 

وفي نهاية المطاف سيكون الاسلام في واقع الأمر فاقداً لوظيفته الثورية والتشريعية في وقت بدأت مؤشرات لانحسار المشاريع الاسلامية السياسية وإن استمرت نمذجة هذا التوجهات على بقية الدول العربية ستكون نهاية للاسلاميين كمشاريع اسلامية سياسية، لكن الاسلام بحد ذاته سيكون باقياً، وسنة التدافع ستدفع ببشر من جديد لحمل المشروع الاسلامي مرة أخرى.

 

كلمات دلائلية :