حسان

حسان عبدالله

تحاول هذه الدراسة أن تعالج إحدى موضوعات “الفكر السياسي الإسلامي” المعاصر وهو ما يتعلق بـ مفهوم “التعددية السياسية” وموقف “الفكر الإسلامي” منها،..كما تأتي هذه الدراسة في إطار إلقاء الضوء بالتحليل على منهجين فكريين الأول: يدور في إطار عولمة “المفاهيم السياسية الغربية” وما يتعلق بها من قيم، والثاني: في إطار “المشاريع المعرفية الإسلامية” التي تسعى للمحافظة على “الهوية” و”العقيدة” واستعادة الدور الحضاري للأمة من الداخل.

التعددية السياسية

التعددية لغة: عند البحث في المعاجم العربية القديمة * لم نجد لفظة “التعددية” حتى المراجع الحديثة منها، فالبحث في مادة “عدّ” لا يتبعها لفظة “التعددية”، وأقرب المعاني إليها- التي وجدناها- “تعدد: صار ذا عدد وهم يتعدون علي ألف: يزيدون… والعديد: الند والقرن والعدد الكثير: يقال ما أكثر عديدهم”[1].

كما خلت منها – أيضاً- الموسوعة الإسلامية العامة (2001م)*، على الرغم من ظهور المفهوم في فترة مبكرة من القرن العشرين.

أما المراجع المعاصرة** فقد وجد الباحث تعريفاً قريباً في معجم “الغني” في “مادة عَدَدَ: تَعَّدَد، يتعدد تعدد تعددت الآراء حول الموضوع: كثرت وتنوعت.[2]

واصطلاحاً يؤكد محمد عمارة على أن “التعددية”: تنوع، مؤسس على “تميز.. و خصوصية”.. ولذلك، فهي لا يمكن أن توجد وتتأتى- بل ولا حتى تتصور- إلا في مقابلة -وبالمقارنة – مع “الوحدة.. والجامع”.. ولذلك؛ لا يمكن إطلاقها على “التشرذم” و “القطيعة” التي لا جامع لآحادهما، ولا على “التمزق” الذي انعدمت العلاقة بين وحداته.. وأيضاً لا يمكن إطلاق “التعددية” على “الواحدية” التي لا أجزاء لها، أو المقهورة أجزاؤها على التخلي عن “المميزات.. والخصوصيات”- على الأقل عندما يكون الحكم على عالم “الفعل” لا على عالم “الإمكان” و”القوة”.[3]

وتعرف “الموسوعة الفلسفية” التعددية بأنها “المفهوم المعارض للواحدية”.[4]

و”السياسة” في الفكر الغربي تعني: “المشاركة في شؤون الدولة وتوجيهها في أشكال هذا النشاط وأهدافه ومضمونه. وتتضمن السياسة مشكلات بنية الدولة وإدارة البلاد وقيادة الطبقات ومشكلات الصراع الحزبي”.[5]

أما “السياسة” في المنظور الإسلامي فتعني: “القيام على الشئ بما يصلحه”[6]، وهي “استصلاح الخلق بإرشادهم إلي الطريق المنجي في العاجل والآجل، وهو قريب من قول النسفي: السياسة: حياطة الرعية بما يصلحها لطفاً وعنفاً، وقال ابن عقيل: السياسة ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلي الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به الوحي، أما المقريزي فيعرفها بأنها: القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأموال”.[7]

ويلاحظ الفرق بين التعريفين الغربي والإسلامي في أن: الأول يتجه نحو الدنيا والثاني يتجه نحو الدنيا والآخرة. وهو ما يفسر تباين المنطلقات المعرفية في المنظورين الغربي المادي والإسلامي التوحيدي الذي يجمع ما بين عالمي الغيب والشهادة في أصوله المعرفية.

ويعرف سامي خشبة “التعددية السياسية” بأنها: “الترتيبات الدستورية لتوزيع السلطات السياسية، والإيمان بضرورة وجود تلك الترتيبات لمصلحة الحرية والعدل، والنمو الاجتماعي والثقافي ولكن للتعددية معنى سياسي- عملي آخر يشير إلى الاعتراف في إطار المجتمع الواحد، والنظام السياسي الواحد بوجود تيارات سياسية متعددة، ذات برامج وأفكار، ومنطلقات فكرية مختلفة، تعبر كل منها عن نفسها بحرية، وتتحاور بتكافؤ حول الصالح العام، وتحتكم إلي الجمهور وإلى الرأي العام، دون أن يسعي أحدهما إلى قهر أو قمع الآخرين، وتنتظم جميعاً في مؤسسات المجتمع المختلفة”.[8]

وبهذا المعنى، فإن التعددية السياسية تنطلق من أساس مهم هو وجود تعدد اجتماعي وثقافي وهو ضد “الهيمنة الثقافية- الاجتماعية”، ويؤكد وجود طوائف وجماعات ثقافية- وليست عرقية- متعددة، وهو ما عرف حديثاً بالمجتمع التعددي والذي يشير إلي “المجتمع الذي يضم أكثر من “طائفة” ثقافية واحدة، وهو ينطبق في معناه العام علي أي مجتمع..”.[9]

ويعرفها أحمد ثابت بأنها “أداة لتنظيم الحياة العامة علي أسس مشتركة، مع احترام مختلف الاتجاهات الفكرية كشرط أساسي لممارسة الديمقراطية التي توفر لفئات المجتمع إمكانات المشاركة في المصير الواحد”.[10]

ويفرق البعض بين التعددية “كمصطلح سياسي يُنظر من خلاله إلى العالم من زاوية احتوائه علي أنواع عديدة من الهويات السياسية المختلفة التي لا يمكن اختصارها إلى واحد أو اثنين فقط ولابد من الاعتراف بأن العالم قابل لوجود كافة الأنواع والأطياف السياسية والعرقية والدينية”[11]، وبين التعددية الحزبية التي يقصد بها وجود “نظام سياسي يتنافس فيه أكثر من حزبين علي السلطة بشكل جدي، ويمكن أن يتحالف أكثر من حزب لتشكيل الحكومة أو ينفرد بها حزب الأغلبية”.[12]

أما طارق البشري فيشير إلي عدة مكونات رئيسية للتعددية السياسية وهي:[13]

1- المؤسسات في المجتمع، أي الهيئات التي تنظم الجماعة في عمومها أو في تكويناتها الفرعية، والجماعة في عمومها الجماعة السياسية التي تكون “الدولة” والتكوينات الفرعية الجماعات الثقافية أو المهنية أو الإقليمية أو العرفية أو الاقتصادية وتندرج في الوعاء العام للجماعة السياسية.

2- استقلال السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية وهي التي يتوزع عليها اتخاذ القرار العام والقيام بالعمل العام.

3- احتمال تداول السلطة بين القوي السياسية المختلفة، واحتمال التشكيل المتنوع لمؤسستي التنفيذ والتشريع بما يحفظ التوازن بينهما ويجعل كلًا منهما قيداً علي الأخرى.

ومن خلال ما تقدم يمكن أن نشير إلي أن التعددية السياسية تعني في جوهرها، تعدد في الآراء والأفكار والاتجاهات نحو شؤون المجتمع المختلفة باعتبارها في النهاية تخضع لسياسة نظام الحكم القائم، وسواء كان هذا التعدد فردي أو جماعي في صورة تنظيمية أو غير منظم فإن قبوله في إطار السلطة الحاكمة يمثل ضرورة من أهم ضرورات التعددية السياسية في مجتمع ما وهو يعبر عنه تارة بـ “المعارضة” أو “الرأي الآخر” أو “الحزبية”.

كما أن التعددية في معناها الواسع يقصد بها “التعددية التكوينية” التي أشار إليها “النص القرآني” في قوله تعالي:

[وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ]. (سورة الروم)

[أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُود (27) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ(28) ] (سورة فاطر)

[وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ(118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ(119) ] (سورة هود).

وقد أفضت هذه “التعددية التكوينية” إلي أشكال مختلفة للتعددية، منها: التعددية اللغوية، والعرقية، والجنسية، والتي أنتجت بدورها تعدداً ثقافياً ومعرفيا*.

وسوف نتناول في هذه السلسلة مفهوم “التعددية السياسية من المنظور الحضاري الإسلامي” نبحث في أركانه وأصوله المعرفية ومكوناته وإطاره الفكري للممارسة في الواقع الإسلامي، وذلك من خلال المصادر الأصلية ( الوحي) ومصادر الخبرة التاريخية، و نماذج من التطبيقات الواقعية.

 

* انظر مادة (عدد) في: ابن منظور: لسان العرب، جـ9، بيروت، دار أحياء التراث العربي، ط2، 1997، ص: 79.

[1] مجمع اللغة العربية: المعجم الوسيط، جـ2، استانبول، دار الدعوة، 1960، ص: 587.

* المجلس الأعلى للشئون الإسلامية: الموسوعة الإسلامية العامة، الإصدار الثاني، القاهرة، 2001

** أما في المراجع الأجنبية فقد جاءت كلمة التعددية علي النحو التالي:

1- في قاموس إلياس جاءت الكلمة علي النحو التالي :

– plural جمع أكثر من واحد، صيغة الجمع

– pluralism مذهب الكثرة، حالة الجمع، الجمع في الوظائف

– plurality تعدد، كثرة، وفرة، تجمع، أكثرية

– pluri أكثر أو كثير أو عديد

(انظر إلياس أنطون إلياس – إدوار أ. إلياس: قاموس إلياس العصري، القاهرة: شركة دار إلياس العصرية للطباعة والنشر، 1994 ، ص: 580).

2- وفي قاموس أكسفورد جاءت الكلمة كما يلي:

Plural جمع أو تعدد

Pluralism التجمع ، التعددية

Plurality تعددي، تجمعي

Ashornby: oxford advanced learneis’s dictionary of current English, London, Oxford university press, 1974, p. 653 .

(وانظر أيضاً منير البعلبكي المورد، بيروت، دار العلم للملايين ط26، 1992، ص 700-701).

وفي اللغة الفرنسية ورد في قاموس المنهل ما يلي:

Pluralism نظام سياسي يرتكز علي تعايش الجماعات المختلفة و المستقلة في الإدارة والتمثيل

(انظر جبور عبدالنور- سهيل إدريس، المنهل ، بيروت، دار العلم للملايين، ط10، 1989، ص: 787).

وفي معجم “Le Robert” وردت كلمة تعددية “Plurlisme” بمعني طريقة سياسية ودينية وثقافية.

Pierre varod, directure general, dictionaries le robbert, 1997, paris, p: 988 .

[2] عبد الغني أبو العزم: الغني، مادة “عدد”، شركة صخر لبرامج الحاسوب. تاريخ الزيارة 14/3/2006 معاجم وقواميس www.angellire.com والمنجد في اللغة والأعلام، بيروت، دار المشرق، بيروت، ط36، 1997، ص: 490

[3] محمد عمارة: التعددية.. الرؤية الإسلامية والتحديات الغربية، القاهرة، دار نهضة مصر، 1997 ، ص: 3.

[4] لجنة من العلماء والأكاديميين السوفياتيين: الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، بيروت، دار الطليعة، ط7، 1997، ص: 133.

[5] الموسوعة الفلسفية، مرجع سابق، ص: 252.

[6] ابن منظور: لسان العرب، جـ6، مرجع سابق، ص: 429.

[7] محمود عبدالرحمن عبدالمنعم: معجم المصطلحات الفقهية، جـ2، القاهرة دار الفضيلة للنشر والتوزيع، 1999، ص: 307.

[8] سامي خشبة: مصطلحات فكرية، القاهرة، المكتبة الأكاديمية، 1994، ص: 183.

[9] المرجع السابق، ص: 494.

[10] أحمد ثابت: التعددية السياسية، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب 1990، ص: 17.

[11] أوراق ديمقراطية، العدد الثاني، يونيو 2005، ص: 18. www.ira9democracyinfo.org.

[12] أوراق ديمقراطية، مرجع سابق، ص: 18.

[13] طارق البشري: “منهج النظر في أسس البناء الديمقراطي والتعددية ومؤسسات المجتمع المدني”، المسلم المعاصر، السنة الحادية والعشرون، العدد (85) ،يوليو، 1997 ، ص: 121.

* أصبح لمفهوم التعددية ميادين عددية لدراستها وبحثها في مختلف العلوم مثل: التعددية الدينية، واللغوية، والاقتصادية، والثقافية والفلسفية والتعليمية.

26

 

كلمات دلائلية :