محمد فتحي النادي

 

من المصطلحات التي شاع تداولها وتناولها بعد الربيع العربي مصطلح الدولة المدنية، والتي كانت مثار صراع عنيف بين العلمانيين والإسلاميين.

 

فالعلمانيون ينفون عن الإسلاميين أنهم يريدون إقامة دولة مدنية، والإسلاميون يدافعون عن رؤيتهم للدولة التي يبغونها، وأنها ليست متعارضة مع الدولة المدنية.

 

فأحببت أن ألقي الضوء على هذه القضية علنا نزيل هذا اللبس في المصطلح بين المتصارعين.

فـ”المدنية” تعني: الاجتماع والعمران والحضارة، ومصطلح (civilization) “ترجم في أغلب الأحيان إلى العربيّة بعبارة “حضارة“، ولا سيّما حين تكون تلك الكتب متخصِّصة في موضوع المجتمعات البشريّة التاريخيّة منها والمعاصرة. إلاّ أنّ بعض الكُتّاب العرب المتأثِّرين باصطلاح الألمان ومن هم على نهجهم، يترجمون كلمة (Civilization) بكلمة: مدنيّة”([1]).

وإذا كان العلمانيون يستندون في ثقافتهم ومرجعيتهم إلى الفكر الغربي، فقد حاولنا أن نتلمس مصطلح الدولة المدنية عند الغرب، ورجعنا إلى معاجمهم فوجدنا هذه التعريفات للدولة المدنية:

1- “تجمع الأفراد في مجتمع مدني تحت نظام من القوانين، وبإشراف هيئة قضائية أو هيئات قضائية مسئولة عن إدراة تلك القوانين.

ويعد أحد أهم قوانين الدولة المدنية هو أنه لا يحق لأي فرد في الدولة المدنية أن يثأر لنفسه إذا ما تم انتهاك أحد حقوقه من قبل شخص آخر، وإنما عليه اللجوء إلى السلطات الشرعية المخولة بذلك، وهذا يجب أن يكون في كل الحالات التي يتعرض فيها لذلك، ومن ثم فكل المواطنين سواء تحت حماية القانون العام”([2]).

ومن هذا التعريف يكون مصطلح الدولة المدنية مساويًا لدولة القانون.

2- وتعريف آخر يرى أن الدولة المدنية “تخضع للحكم أو الإدارة”([3]).

وهذا التعريف يجعل الدولة المدنية هي دولة المؤسسات.

3- وتعريف آخر يرى “أن يقوم المواطن بأداء واجباته، ويكون مطيعًا للدولة”([4]).

وهذا يعني أن الدولة أكبر من الأفراد، على العكس من أحوالنا التي تُعلي من شأن الساسة والرؤساء، وتجعلهم فوق الدولة والقانون.

4- وأخيرًا هذا التعريف الذي يجعل “الدولة المدنية تمثل سواد الناس أو المواطنين، والذين لا تشملهم الدولة العسكرية والكنسية”([5]).

إذا كان ما سبق هي بعض تعريفات الغرب للدولة المدنية، وهذه التعريفات لا يختلف عليها أحد، ولكننا وجدنا العلمانيين يستخدمون هذا المصطلح استخدامًا يخالف ما جرى عليه العرف والتعريف، مما دفع بعض الباحثين أن يقول: “مصطلح الدولة المدنية ليس له تعريف محدد”، وأنه “ليس مصطلحًا علميًّا”([6])، ويجزم آخرون بأنه “لا يوجد في العلوم السياسية هذا المفهوم”([7])، ويرون أن البعض استخدم مصطلح المدنية وتجنب استخدام مصطلح العلمانية لسوء سمعته نتيجة لرفض الأوساط الإسلامية له([8])، بل إن مصطلح “الدولة المدنية غير واضح في كتابات النخب العلمانية، ولكن المدقق يكتشف أن هذه النخب تتكلم في الواقع عن الدولة العلمانية”([9]).

وبعد الصحوة الإسلامية والخوف من تمكّن الإسلاميين من حكم بلدانهم وفق المنهج الإسلامي القويم بدأ العلمانيون يشيعون أن الدولة الإسلامية دولة ليست مدنية، وأنها دولة دينية.

وقد رأى د. فاضل رسول أن “تعبير ديني ومدني لا يخلو من بلبلة”([10]).

ومن المعروف والثابت في الأذهان أن المدني بخلاف العسكري، فيقال: هذا رجل مدني، وهذا رجل عسكري، وهذا زيٌّ مدني وآخر عسكري، وعليه فـ”مفهوم الدولة المدنية لدى النخب العلمانية يتوسع للعديد من المفاهيم الأخرى والتي تُلحِق فكرة الدولة المدنية بالمرجعية العلمانية”([11]).

ولقد حاول د. رفيق حبيب توصيف مصطلح الدولة المدنية فقال: “الدولة المدنية هي التي تعبّر عن المجتمع وتكون وكيلة له وتستند لقيمه، ويختار فيها المجتمع حكامه وممثليه ويعزلهم ويحاسبهم”([12]).

ونحن نتفق معه في النتيجة التي توصّل إليها بأنه بهذا التعريف “تصبح الدولة المدنية مطابقة لمعظم الاتجاهات السياسية الإسلامية”([13]).

“وهي بهذا نقيض للدولة التي يستولي على الحكم فيها فئة من الناس وتحكم بغير إرادة الشعب، وتجعل الحكم محصورًا في فئة بعينها، سواء كانت العسكر أم رجال الدين”([14]).

فالدولة المدنية بذلك قد تعني أنها الدولة غير المستبدة؛ “لأن كل استبداد هو نوع من الحكم على غير إرادة الناس، وكل دولة تحكم بغير الإرادة الشعبية الحرة، هي ليست دولة مدنية، وكل دولة تحكم من خلال الإرادة الحرة للناس، تصبح دولة مدنية”([15]).

ورغم أن العلمانيين يسعون لإقامة دولهم على النسق الغربي، فإنهم انتقائيون يختارون ما يوافق هواهم ودعواهم، ويدعون ما يمكن أن يخدم الإسلاميين في رؤيتهم، ففي الغرب -مثلاً- يمكن “إنشاء أحزاب على أساس ديني (مثال لذلك الأحزاب المسيحية الديمقراطية في أوروبا (ألمانيا وغيرها)، أو قيام دساتير على أساس تحديد دين الدولة الرسمي ودين رئيس الجمهورية (كما في أسبانيا وإنجلترا وبلجيكا وغيرها)”([16]).

ولتسويق مصطلح “الدولة المدنية” في العالم الإسلامي حتى لا يُنفر منه تم “إلحاق عدد من المصطلحات بمصطلح الدولة المدنية مثل: المساواة، والمواطنة، وحقوق الإنسان، وهي تعبيرات إيجابية، ويمكن أن يكون لها معان متعددة، ولكن يتم توصيف تلك المصطلحات بالمعنى السائد في السياسة الغربية، مما يسمح ضمنًا بتمرير معان علمانية داخل هذه المصطلحات الإيجابية، مع البعد عن عنوان العلمانية”([17]).

والإسلام قد دعا لهذه القيم، بل وطبقها المسلمون أحسن تطبيق في بلدانهم، والحركات الإسلامية لا تتنكر لهذه القيم في أدبياتها، بل تؤكد عليها انطلاقًا من رؤيتها الإسلامية، “وليس بالمعنى الشائع في الأدبيات الغربية”([18]).

ولذلك اعتبر أبو الحسن الندوي أن الخلافة الراشدة مثلٌ للمدنية الصالحة([19])، واعتبر المدنية الإسلامية “ظاهرة جديدة في عالم السياسة والاجتماع، انقلب به تيار المدنية، واتجهت به الدنيا اتجاهًا جديدًا”([20])، وأنها كانت “مدنية فاضلة قوية البنيان محكمة الأساس”([21])، وأن المدنيات الأخرى كانت مدنيات “صاخبة مضطربة متناحرة متداعية البنيان متزلزلة الأركان”([22]).

إذاً فالدولة المدنية المعنية لدى العلمانيين هي “الدولة العلمانية التي لا تعادي الدين في حياة الأفراد، ولكنها تقصي الدين من المجال العام، حيث تصبح السياسة متحررة بالكامل من قواعد ومبادئ ومقاصد الدين”([23]).

وهذه النخبة العلمانية الداعية للدولة المدنية بالمفهوم الغربي تستعدي الغرب على الإسلاميين، وتقوم بتخويف عوام الناس من المشروع الإسلامي لإقامة الدولة من باب الوصاية على الشعوب، والتحكم في اختياراتهم وتوجيهها؛ لخدمة أهدافهم وأهوائهم، فكأن تصورهم للدولة المدنية تصور “يجعلها دولة الحكم بالوصاية على الناس، أي: دولة دينية ثيوقراطية، دينها العلمانية”([24]).

([1]) أحمد القصص: نشوء الحضارة الإسلامية، ص(16) باختصار.

([2]) انظر النص الإنجليزي لترجمتنا في:

http://legal-dictionary.thefreedictionary.com/Civil+state.

([3]) انظر النص الإنجليزي لترجمتنا في:

http://onlinedictionary.datasegment.com/word/civil.

([4]) السابق.

([5]) السابق.

([6]) د. رفيق حبيب، مقال بعنوان: البحث عن ديمقراطية عسكرية، موقع المصريون.

([7]) سامح فوزي، مقال بعنوان: البحث عن الدولة المدنية، موقع اليوم السابع.

([8]) انظر: السابق.

([9]) رفيق حبيب: البحث عن ديمقراطية عسكرية.

([10]) حوار الإسلام والعلمانية، ص(42).

([11]) رفيق حبيب: البحث عن ديمقراطية عسكرية.

([12]) السابق.

([13]) السابق.

([14]) السابق.

([15]) السابق.

([16]) د. أحمد محمود السيد: مقالة بعنوان: مصر.. والمصطلحات الخمسة، موقع المصريون.

([17]) رفيق حبيب: البحث عن ديمقراطية عسكرية.

([18]) السابق.

([19]) ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، ص(112).

([20]) السابق، ص(117).

([21]) السابق.

([22]) السابق.

([23]) رفيق حبيب: البحث عن ديمقراطية عسكرية، باختصار.

([24]) السابق.

 

كلمات دلائلية :