1_20121216_30159

كمال حبيب

 

شتان بين المشهد الذى عرفته مصر يوم رحيل الطاغوت يوم 11 فبراير 2011 وبين المشهد الذى تعيشه بعد عامين من هذا الرحيل الثورى، كان المصريون فى ميدان التحرير مع إعلان عمر سليمان عن تخلى مبارك عن السلطة يعلنون فى أول مرة فى تاريخهم انتصار إرادتهم فى إرغام الفرعون على تسليم السلطة تحت ضغط الشعب وجماهيره وشبابه العظيم صناع الثورة.

كتبت فى ذلك الوقت عن النموذج الجديد الذى تطرحه الثورات العربية وهو قدرة الجماهير متحدة على تغيير السلطة والنظام من خارجه، يعنى انتقال الشعب من التهميش إلى المركز والقلب ليكون هو صاحب الكلمة النهائية فيمن يكون حاكمه، بل صاحب الكلمة فى أن يقول إن الحاكم الظالم المجرم الذى فحش ظلمه وشاع حتى أصبح العمران والوجود الإنسانى بلا معنى لا يجب أن يبقى فى الحكم وأن ذلك قرار الشعب والأمة.

ولكنه ومع تعرض الثورات العربية لمحنة محاولة سرقة إرادة الشعب والأمة التى عمدها بدماء شبابه والعمل على استمرار جوهر النظم القديمة مع تغيير شكلها، فيما أطلقنا عليه «الدولة العميقة»، واستدعاء القوى التى كانت منظمة لتملأ الفراغ الجديد متحالفة مع العسكر فى الحالة المصرية، ومتحالفة مع القوى الإقليمية والدولية فى الحالة اليمنية، وفى الحالة السورية التى يبدو الصراع فيها طويلا ومرهقا بسبب الدعم الدولى والإقليمى لنظام بشار الأسد من جانب إيران وروسيا والصين، وبسبب عدم رغبة القوى الغربية فى التدخل وإسقاط النظام لأن استمراره هو أفضل البدائل مع احتمالات الفوضى بعده أو مجىء قوى إسلامية تمثل تهديدا لمصالح الغرب وإسرائيل، هنا قد تمثل الحالة السورية محنة وامتحانا صعبا للثورات العربية، لأنه كلما طال أمد الصراع تسرب اليأس من التغيير إلى نفوس الثائرين وبدوا أقرب للبحث عن حلول وسط مع النظام وليس تغييره من جذوره.

وفى الحالة التونسية التى كنا نعتبرها نموذجا أفضل فهى اختارت هيئة تأسيسية تحكم عبر ترويكا حركة النهضة هى التى تملك الأغلبية فيها، ولم يكن للجيش حضور كما فى الحالة المصرية بيد أنها تواجه مشاكل حول تشكيل الحكومة وحول استخدام العنف فى العملية السياسية. وهنا فى مصر لا يبدو الوضع مبشرا، فمع مقدم رئيس من الإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية فى العالم الإسلامى، بدا أن الجماعة تواجه امتحانا قاسيا بل محنة وضعتها لأول مرة فى مواجهة أمتها، وكنا نقول إن الجماعة ستكون ردءا وعونا للرئيس فإذا بها تصبح عبئا عليه، ولم نكد نصدق أننا تخلصنا من حكم برأسين أحدهما مدنى والآخر عسكرى إلا وقد انتقلنا لحكم آخر برأسين أيضا ولكنه رأسى مدنى يمثله الرئيس المنتخب ورأس إرشادى ومرجعى يمثله مكتب الإرشاد، وتبدو حالة الاستقطاب متسيدة على المشهد، وذيوع حالة من التشنيع والتخوين بين القوى السياسية جعلت الشعب يتشكك فى جدوى الثورة وترتفع أصوات لتقول بعودة ما كان، كما أن تردى الوضع الاقتصادى وعدم شعور المواطنين بتحسنه أصابهم بالإحباط والانخراط فى أعمال عنف غير مفهومة، خاصة من قبل الشباب الذى يشعر أن الثورة لم تحقق أحلامه. بالطبع دول الخليج وممالكه ومشيخياته تخاف من نجاح نموذج الثورات العربية ولذا فهى تقاومه، بل تعمل على خلق حالة من التشوش والارتباك فى المشهد الإقليمى، من خلال تعاون الإمارات غير المفهوم مع فرنسا فى ضرب مالى وإعلان الرئيس الفرنسى من الإمارات أن الطائرات الفرنسية تنطلق من الإمارات لضرب الإسلاميين فى مالى، كما أن السعودية سمحت بعودة القواعد الأمريكية على أراضيها لضرب القاعدة فى اليمن بالطائرات بدون طيار. نموذج الثورات العربية فى امتحان عسير، وفشله قد يعيد إلى المشهد بدائل ستكون كارثية حتى على أولئك الذين يعملون لإسقاطه.

 

كلمات دلائلية :