عبدالرب السلامي

عبدالرب السلامي

من خلال قراءتي لنشأة الجماعة الحوثية ثم متابعتي لتطورات الأحداث في صعدة منذ منتصف العقد الماضي تيقنت أن الأمور لا يمكن أن تصل يوما ما إلى صراع صفري مسلح على أساس طائفي إلا في حالة تفرد جماعة الحوثي في تبني مطالب أبناء صعدة الحقوقية والسياسية، مع وجود معادل سلفي في الطرف الاخر من معادلة الصراع..
فأوضاع صعدة المتردية وحالة التهميش التي عانت منها منذ قيام النظام
الجمهوري شكلت ظرفا موضوعيا مواتيا لقيام حركة تمرد مناطقية واسعة، كما أن حالة الاستقطاب الطائفي الإقليمي وحالة الفساد والضعف التي بات يعيشها النظام السياسي في اليمن كفيلة بتحويل شحنة الغضب المجتمعي والحراك المطلبي باتجاه طائفي متطرف..
ما كنت أتمناه -ولازلت- هو أن يظل الصراع محصورا في دائرته الحقوقية والسياسية، وأن لا يأخذ طابعا طائفيا حديا (زيدي سني) تحت غطاء (حوثي وهابي!)..، لأن القضية في أساسها حقوقية وليست طائفية، فمعظم ابناء صعدة بل معظم المنتسبين إلى الزيدية من علماء وعوام وقبائل وهاشمية ليسوا حوثيين لا فكرا ولا انتماء، وكان بالإمكان طوال السنوات الماضية محاصرة نبتة التطرف الحوثي فكريا من داخل المدرسة الزيدية ذاتها، ومحاصرة الحركة الناشئة اجتماعيا وسياسيا من خلال تبني القوى الوطنية المعتدلة لمطالب أبناء صعدة الحقوقية العادلة، بل كان بالإمكان أن تسقط حركة التطرف عسكريا من داخل مجتمع صعدة القبلي ذاته دون الحاجة إلى حروب ستة..
لكن المشكلة ظلت ولا زالت تكمن في تخلي القوى السياسية والقبلية والدينية السنية والزيدية المعتدلة عن مسؤلياتها، وتركها المجال مفتوحا -بوعي أو بغير وعي- لتجار الطائفية السياسية الإقليميين وسماسرة سوق السياسة اليمنية لتحويل القضية إلى صراع طائفي متطرف..
إن محاولات جر جماعة مدرسة (دماج) السلفية إلى قلب المعركة، يجب أن نفهمها في هذا السياق، فطلاب معهد دماج هم الآن في حالة الدفاع عن النفس ليس إلا..، لكن أرباب الطائفية السياسية الإقليميين يريدون من معركة دماج أن تتحول إلى بؤرة صراع طائفي طويل الأمد..
فجماعة مثل جماعة (دماج) غير مؤهلة سياسيا ولا تنظيميا ﻹدارة صراع عسكري وسياسي معقد وطويل الأمد، ثم هي فكريا ودعويا غير مؤهلة لتمثيل السلفية فضلا عن تمثيل السنة بمفهومها العام، ثم أنها غير مؤهلة لإدارة الصراع بمسؤلية وطنية، مما يجعل طول أمد المعركة ومستقبل الصراع خطيرا جدا ومرشحا لدخول أطراف أخرى أكثر عنفا ودموية، ونتائجه -بالتأكيد- لن تكون في مصلحة السنة ولا في مصلحة الزيدية دعويا ومذهبيا، ولا في مصلحة أبناء صعدة ومحافظات الشمال اجتماعيا وتنمويا، ولا في مصلحة اليمن سياسيا واقتصاديا..
لا أدري لماذا لا تزال معظم القوى السياسية والاجتماعية والقبلية والدينية ذات القبول الشعبي في صعدة وعموم الشمال تتوارى عن المشهد مرة أخرى رغم إدراكها لواجب الوقت المتعين عليها؟ !! .
هل ﻷن سوق السمسرة السياسية بات رائجا هذه الأيام اليمن؟!..
أم أن الغباء السياسي صار يمانيا والحماقة صارت يمانية؟!..
أم أن الغفلة قد صارت حقا سمة الصالحين؟!!.
 

كلمات دلائلية :