مقالات

قراءة في مقاصد الصيام

بقلم  /موسى المقطري

اعتدنا على التسليم أن المقصد الأساسي للصيام هو الشعور بألم الفقراء حين يداهمهم الجوع ، وفي اعتقادي أن هذا المقصد لم يكن الصيام ليؤديه ببساطة لأن الفقراء ايضاً فرض عليهم الصيام ، والعلة منتفية عنهم ، لكن الحقيقة أن مقاصد الصيام التي تعود على الصائم في حياته تتعدى هذه الفكرة السطحية إلى ماهو أعظم وأشمل ، وتهدف لصناعة الذات وتوطينها على قيم وسلوكيات إيجابية تشكل الشخصية المسلمة حتى تكون قادرة على البناء والانجاز وتحقيق الغاية من الخلق والتكوين ، والمتمثلة بالاستخلاف بكل ما تحمله هذه المهمة المقدسة من شمول فيه كثير من التفاصيل ليس هنا المجال لسردها .
من أهم القيم التي يرسيها شهر رمضان توطين الصائم على تنظيم وقته واحترام ساعات يومه وليلته ، وذلك أن الصيام مرتبط بمواعيد دقيقة إمساكاً وإفطاراً ، ولك أن تتخيل أن الماء الذي تشربه حال إفطارك يعد قبل لحظات شربه إثماً إن لم تكن من أصحاب الأعذار ، والعكس في وقت الإمساك فالمباح يصبح بعد لحظات قليلة موجباً للإثم ، وتربية النفس على الالتزام بهذه الحدود الزمانية يعوّدها على احترام الوقت والمواعيد وعدم التساهل بها ، وإلى جانب الصيام تعد الصلوات وأدائها في أوقاتها المحددة أيضاً سبيلاً لتربية النفس على هذه القيم .
كما أن الصائم حين يمنع نفسه عن تناول المفطرات خلال النهار فإنه يعتاد على ممارسة عنصر المنع في حياته ، وهو بذلك يستطيع أن يقول لنفسه “لا” ليس فقط فيما يتعلق بالصيام بكل ما يحب تجنبه سواء كان الدافع حكماً شرعياً أو ضرراً صحياً أو خطأ أخلاقياً ، وهذا التدرب على المنع يرسيه الصيام ويحوله إلى ممكن سهل الممارسة، وكم نحتاج في حياتنا على التعود على قول “لا” في وجه كل ما يتصادم مع عقيدتنا وأخلاقنا وقناعاتنا .
تعتبر مهارات ضبط النفس والصبر ضمن صفات التميّز الشخصية التي تجعل من صاحبها مؤهلاً لخوض غمار الحياة وممارسة الأدوار القيادية فيها ، وعلى السبيل الشخصي تعد هذه المهارات أساسية لاستمرار حياة الإنسان والوصول إلى الأهداف والغايات ، والصيام يمثل سبيلاً هاماً للتدريب على هذه الممارسات ، فمن يستطيع ان يضبط نفسه ويتحكم بها وفق محددات الصيام ويصبر على إغراء المفطرات بشكل عام تتعزز لديه ملكات ضبط النفس والصبر ، ويستطيع الاستفادة منها في ممارسات حياته ، وتلك هي من مقاصد الصيام الأساسية المتعلقة بالنفس وامتلاك زمام للسيطرة عليها والتحكم بها .
اضف إلى ذلك أن من مقاصد الصيام تعزيز الثقة بالذات وتحسين الحالة المزاجية بسبب إدراك الصائم لقدرته العالية في إتمام الإنجازات المهمة ، والامتناع عن الأشياء السلبية بإرادته ، وبالتالي ذلك يؤدي إلى تقدير ذاته ، وينعكس ايجاباً على نجاح أدواره الحياتية ، وطريقه تعامله مع التحديات التي تواجهه في دروب الحياة المختلفة .   دمتم سالمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى