مقالات

سياقات سياسية لمصطلح المقاومة

بقلم /د.محمد جميح
يحدثنا أهل اللغة أن للكلمة معنى قاموسياً، هو المعنى «الأمي/الأصلي» الذي نجده لها في معاجم اللغة، ولكن الكلمة تأخذ بالطبع معاني مختلفة، حسب سياقاتها المختلفة، سواء كانت السياقات لغوية (في بناء الجملة) أو ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، أو تاريخية أو غيرها من السياقات.
في هذه المساحة نتناول تحورات «مفهوم» المقاومة، حسب سياقات الخطاب الذي يرد فيه «مصطلح» مقاومة، ونقصر الكلام هنا على مفهوم المقاومة في الخطاب الغربي، وهذا المفهوم لدى الخطاب الإيراني وتوابعه.
يرى الخطاب السياسي الغربي وجود تطابق بين مفهومي «المقاومة والإرهاب»، عندما يتعلق الأمر بمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين حالياً، أو مقاومة الاحتلال الأمريكي في العراق، تماماً كما كان هذا الخطاب يرى أن مقاومة المستعمر البريطاني في مصر والفرنسي في الجزائر والإيطالي في ليبيا والأمريكي في فيتنام، كل تلك المصطلحات تنفتح على مفهوم واحد هو مفهوم الإرهاب الذي ـ بدوره ـ ليس له مفهوم ثابت، ولكن مفاهيم مختلفة، حسب السياقات المختلفة، سياسياً وثقافياً.
وبطبيعة الحال فإن الهدف من تحريف مفهوم المقاومة مقصود لقتل روح المقاومة في نفوس الجماهير، ولكي تصبح المقاومة فعلاً مكروهاً ومرتبطاً بأفعال مدانة سياسياً وأخلاقياً ومجرمة قانونياً وتشريعياً، وهذا يتسق مع أهداف المستعمر في إبقاء الشعوب المستعمرة تحت الاحتلال، ويظهر الاحتلال الإسرائيلي، أبرز الأمثلة على محاولات تشويه مفهوم المقاومة، لأغراض معروفة.
وفي حين يقترب مصطلح المقاومة في الخطاب الإسرائيلي من مفهوم الإرهاب، فإن هذا المصطلح – في المقابل – يتخذ مفهوماً أقرب إلى مفاهيم الهيمنة في الخطاب السياسي الإيراني.
وهنا وفي حين يسعى النظام الإيراني إلى فرض هيمنة إقليمية تحت شعارات المقاومة، يسعى الخطاب الإسرائيلي إلى استمرار احتلاله لفلسطين والأراضي العربية المحتلة في سوريا ولبنان، تحت شعار ملاحقة تيارات المقاومة بمفهومها الإرهابي.
وينبغي الإشارة هنا إلى أن مصطلح المقاومة بالمفهوم الإسرائيلي الذي يتطابق مع مصطلح الإرهاب قد أدى إلى حد ما إلى تنفير أفراد وشرائح متعددة من الجمهور العربي، حيث أصبح الكثير من الكتاب والإعلاميين، بل والمثقفين، ناهيك عن الجمهور ينظر إلى فعل المقاومة على أساس أنه فعل غير مشروع، وأنه يجلب الدمار والخراب للإنسان والعمران، ناهيك عن تجريم حركات المقاومة، ووصمها بالإرهاب، جرياً على المنوال الإسرائيلي، في تجريم تلك الحركات.

الهدف من تحريف مفهوم المقاومة مقصود لقتل روح المقاومة في نفوس الجماهير، ولكي تصبح المقاومة فعلاً مكروهاً ومرتبطاً بأفعال مدانة سياسياً وأخلاقياً ومجرمة قانونياً وتشريعياً

وفي المقابل، يجدر التنبه إلى ان مفهوم المقاومة في الخطاب الإيراني قد أدى إلى تشوهات كثيرة نالت المفهوم الحقيقي للمقاومة في عيون قطاعات واسعة من الجمهور العربي الذي أصبح يربط بين هذا المفهوم وما جرى لبلدان عربية بعينها من دمار وخراب، وما أصبحت تعاني منه من هيمنة، تحت شعارات المقاومة التي تضخها إيران وميليشياتها التي هيمنت ـ حسب مسؤولين إيرانيين ـ على أربع عواصم عربية، وتتحكم في العراق واليمن وسوريا ولبنان، قبل تحرير سوريا من الهيمنة الإيرانية.
ومع الزمن، ومع استمرار الضخ الإعلامي والأكاديمي – إسرائيلياً وإيرانياً – يبدو جلياً أن أول ضحايا هذا الضخ من الجانبين هو مفهوم المقاومة الذي تعرض لتشوهات كبيرة، فأصبح تارة إرهاباً، وأصبح تارة أخرى مرادفاً لمفاهيم الهيمنة والسيطرة والاحتلال، وهو ما يعكس مدى التشوش الذي تعرض له – ولا زال – الوعي الجمعي العربي، مع غياب مشاريع عربية جادة – سياسياً وثقافياً وفكرياً – تسعى لمواجهة هذا التلوث الإعلامي والضبابية المفاهيمية الناتجة عن ضخ مشروعين يتنافسان ليس على الأراضي العربية وحسب، ولكن على مساحات واسعة من العقل العربي والوجدان الإسلامي والشرقي بشكل عام.
وإذا كان المفهوم الإسرائيلي لمصطلح المقاومة، الذي يربط المصطلح بالإرهاب، إذا كان هذا المفهوم خطيراً على البناء الدلالي والمفاهيمي، فإن المفهوم الإيراني لهذا المصطلح يشكل خطورة موازية، بل إن محاولات إسرائيل ربط المقاومة بمفاهيم الإرهاب يمكن أن تكون مكشوفة للجمهور، على اعتبار أن لدى الجمهور حصانة لا تزال قوية ـ رغم الاختراقات ـ تجاه ما تنتجه إسرائيل من سياسات وأفكار ومفاهيم، في حين أن المفهوم الإيراني لمصطلح المقاومة، وهو الذي يربط المصطلح بالهيمنة، هذا المفهوم، ربما كان أشد خطراً، وذلك، لأنه يصدر عن بلد يقول إنه شقيق، وأنه يتبنى قضايا المظلومين والمضطهدين في العالم الإسلامي، ويمرر كثيراً من سياساته، ويحقق الكثير من مصالحه تحت شعارات من مثل: الأخوة الإسلامية، والوحدة الإسلامية، والمقاومة، وما إلى ذلك من مصطلحات، ربما لا يكون الجمهور محصناً إزاء مخاتلاتها الماكرة، كما هو الشأن في حصانته ضد المفاهيم الإسرائيلية لمصطلح المقاومة التي تربط المصطلح بالإرهاب، وهنا تكمن خطورة تطبيع المفهوم الإيراني للمقاومة، في مقابل المفهوم الإسرائيلي، مع أن غرض كلا المفهومين يدور حول بسط الهيمنة الإيرانية، من جهة واستمرار الاحتلال الإسرائيلي من جهة أخرى.
وقد تجلت خطورة هذين المفهومين المختلفين لمصطلح المقاومة خلال السنوات الأخيرة، وعلى وجه التحديد، خلال عام وأكثر من العدوان الإسرائيلي على فلسطين ولبنان، حيث استثمرت إيران في ضخ مفهومها للمقاومة لكسب المزيد من الأرضيات والعقول، وإضفاء المشروعية على تواجدها العسكري في بلدان عربية بعينها، وذلك تحت شعارات «مقاومة الكيان الصهيوني وداعميه في الغرب والولايات المتحدة»، كما استثمرت إسرائيل بضخ المزيد من الأدبيات حول مفهومها للمقاومة المرتبطة بالإرهاب، وذلك لضعضعة التعاطف مع الفلسطينيين واللبنانيين، وبالتالي إضفاء شرعية على جرائم الاحتلال الإسرائيلي التي تجري تحت شعارات مواجهة «محور المقاومة الإرهابي».
وهنا يمكن أن ندرك خطورة عدم التصدي لتلك المفاهيم المغلوطة لمصطلح المقاومة على حركة الوعي في العالم العربي، تلك الخطورة التي يعد أهون أضرارها هذه البلبلة التي يعيشها كثير من العرب إزاء فعل المقاومة في غزة ولبنان، وهي البلبلة التي أدت – ضمن عوامل أخرى – إلى التزام الحياد أو شبه الحياد في الحرب الإسرائيلية الإجرامية ضد الشعبين العربيين في فلسطين ولبنان، وذلك لأن الكثيرين من العرب يرون أن إيران تستغل مصطلح المقاومة للهيمنة الإقليمية، كما أن الكثير من الدول الغربية قد اتخذت مواقف معادية من المقاومة، بعد أن تبنت الموقف المفهوم الإسرائيلي لمصطلح المقاومة الذي يعني الإرهاب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى